ما لا يفهمه البالغون عن إصابة الفتيات بالتوحد
سنابل الأمل / متابعات
دراسة سويدية على 2.8 مليون شخص كشفت أن التوحد يُشخّص مبكراً لدى الأولاد أكثر من البنات، لكن الفارق يختفي في البلوغ. الفتيات غالباً ما يُخفين أعراض التوحد، مما يؤخر التشخيص ويعرضهن لتشخيصات خاطئة مثل فرط الحركة والاكتئاب.
الحاجة ملحة لتطوير أدوات تشخيص أفضل ودعم مبكر للفتيات المصابات بالتوحد.على مدى عقود، كان يُعتقد أن التوحد يصيب الأولاد بصورة تفوق البنات بكثير. غير أن دراسة جديدة هامة من السويد قدمت ما يُعد من أقوى الأدلة حتى الآن على أن البنات لا يواجهن خطراً أقل للإصابة بالتوحد، وإنما يتأخر تشخيصهن في سن مبكرة مقارنةً بالأولاد.
نظر الباحثون في 35 عاماً من السجلات الصحية لنحو 2.8 مليون شخص (عبر نافذة شبه مكتملة على حياتهم بفضل نظام الرعاية الصحية الشامل في السويد). ووجدوا أنه سواء كان العام 2025 أو 1995، فإن الأولاد دون سن 10 كانوا أكثر عرضة للتشخيص بالتوحد بثلاث إلى أربع مرات مقارنةً بالبنات. لكن بحلول مرحلة البلوغ، كاد الفارق أن يختفي.
فجوة تشخيص التوحد بين الجنسين
رغم أن الدراسة تناولت أطفالاً في السويد، فإنها تشير إلى مشكلة عالمية؛ إذ يُغفل عن عدد كبير جداً من الفتيات المصابات بالتوحد خلال الطفولة. وهذه مرحلة حاسمة يمكن أن تساعد فيها برامج الدعم الاجتماعي والتدخلات على تمكينهن من تعلم كيفية التعامل مع عالمهن بصورة أسهل. والأدهى أن عدم تشخيصهن يعني تركهن حتى المراهقة، أو حتى مرحلة البلوغ من دون فهم جوهري لأنفسهن.
إذاً، لماذا تمرّ كثير من الفتيات المصابات بالتوحد دون أن يُلتفت إليهن؟ يقدم علماء نفس الأطفال مجموعة من التفسيرات المحتملة. بدايةً، بعض سمات التوحّد تتجلّى لدى الفتيات بصورة مختلفة مقارنةً بالأولاد. وغالباً ما تكون الأعراض أخف، فعلى سبيل المثال، تميل الفتيات المصابات بالتوحد إلى الحفاظ على التواصل البصري بصورة أفضل، ويتمتعن بقدرة أسهل على التواصل.
على الرغم من أنهن قد يُظهرن اهتمامات قوية، فإنها غالباً ما تتماشى مع اهتمامات الفتيات غير المصابات باضطرابات نمائية، مثل تايلور سويفت أو مستحضرات التجميل أو الحيوانات، بحسب كونر بلاك، المدير المساعد لمركز التوحد في معهد “تشايلد مايند” (Child Mind Institute).
تجعل هذه الفروق الدقيقة سمات التوحد تمر مرور الكرام، حتى من قبل أطباء الأطفال والمعالجين. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الفتيات لا يُظهرن عادةً بعض السلوكيات الخارجية البارزة، مثل العدوانية أو نوبات الغضب، التي يميل الناس إلى ربطها بالتوحد لدى الأولاد، وفقاً لتفسير بلاك.
تمويه التوحد في الطفولة بين الفتيات
في السنوات الماضية، ركز الخبراء بصورة خاصة على قدرة الفتيات على “إخفاء” أو “تمويه” سمات التوحد لديهن. وبدرجة أكبر من الأولاد، تكون الرغبة في الاندماج قوية لدى الفتيات الصغيرات، وقد تكون أشد لدى الفتيات المصابات بالتوحد، وفقاً لجينا ريبون، عالمة الأعصاب البريطانية التي يتتبع كتابها الصادر حديثاً بعنوان “فتيات منسيّات في عالم التوحد” (The Lost Girls of Autism)، الكيفية التي أغفل بها العلم الفتيات المصابات بالتوحد.
وقد يكون ذلك مرهقاً، ويستحيل متابعته طوال الوقت، وقد لا تُظهر الفتيات سلوكيات صعبة في المدرسة، لكنهن ينهَرْنَ فور عودتهن إلى المنزل، بحسب بلاك. وقد أظهرت دراسة في 2024 هذا التباين، إذ وجدت اختلافات لافتة بين تصورات المعلمين والآباء لسمات التوحد، مثل صعوبة تفسير لغة الجسد أو فهم الأعراف الاجتماعية. ورأى المعلمون أن الأولاد يظهرون سمات أكثر بكثير من الفتيات، وأفادوا دوماً أن لدى الفتيات سمات أقل مما حدده آباؤهن.
وقد يتيح التمويه للفتيات اجتياز السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية، حيث يسود قدر كبير من القدرة على التنبؤ. لكن هذه الاستراتيجية تبدأ في التراجع مع الوصول إلى المرحلة الإعدادية. وتقول ريبون: “فجأة يصبح المحيط الاجتماعي أكثر تعقيداً، وأكثر تقلباً، وأكثر ضغطاً، لا سيما للمراهقات، والدعائم التي بنينها نوعاً ما لحماية أنفسهن لم تعد مناسبة للغرض”.
تشخيصات خاطئة للمراهقات
ومع بدء تشكل الديناميكيات الاجتماعية في المرحلة الإعدادية، وهي سنوات يحتفظ فيها كل بالغ تقريباً بذكريات واضحة عن صعوبتها، قد تبدأ الفتيات المصابات بالتوحد في المعاناة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن التوحد لديهن يصبح واضحاً فجأة لمقدمي الرعاية أو الأطباء؛ بل قد يُشخصن بحالات أخرى مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، أو الاكتئاب، أو فقدان الشهية العصبي، أو إيذاء النفس. وقد تعني هذه التشخيصات مزيداً من السنوات التي يظل فيها التوحد من دون اكتشاف، إذ وجدت إحدى الدراسات أن تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه قد يؤخر تشخيص التوحد بنحو ثلاث سنوات في المتوسط.
وقد يعرض هذا التأخير الفتيات لعلاجات مخصصة لحالات أخرى، والتي قد تجعل الحياة أكثر صعوبة رغم أنها تهدف إلى المساعدة. فعلى سبيل المثال، قد لا تكون التدخلات التقليدية لعلاج اضطرابات الأكل مناسبة لشخص مصاب بالتوحد، بحسب ريبون. ويرجع ذلك إلى أن الدافع وراء اضطراب الأكل لدى البعض يرتبط بدرجة أقل بصورة الجسد، وبدرجة أكبر بفرط الحساسية الحسية أو الحاجة إلى طقوس صارمة في تناول الطعام.
فجوة في تطوير أدوات تشخيص التوحد لدى الفتيات
تُحرم أعداد كبيرة من الفتيات من الحصول على الدعم المبكر الذي قد يساعدهن على التعامل مع الحياة، فضلاً عن حرمانهن من فرصة فهم أعمق لذواتهن ولطريقة عمل أدمغتهن. ومع ما تُظهره الأبحاث القوية، مثل الدراسة الصادرة من السويد، من أن التوحد يكاد يكون شائعاً لدى الفتيات بقدر شيوعه لدى الأولاد، يتضح أن هناك عملاً كثيراً ينبغي إنجازه لتلبية احتياجات الفتيات بصورة أفضل.
ويبدأ ذلك ببساطة من خلال دراسة الفتيات بصورة أوسع. فبرغم تزايد الاعتراف خلال العقد الماضي أو نحو ذلك بأن الفتيات المصابات بالتوحد يستحققن مزيداً من الوقت والاهتمام والتمويل البحثي، لا تزال هناك فجوات معرفية واضحة تحتاج إلى سدّها، من أبرزها تطوير أدوات تشخيص أفضل لرصد السمات الدقيقة للتوحد لدى الفتيات في سن مبكرة، لا سيما عندما يعمدن إلى تمويه تلك السمات.
يمكن للمعلمين أيضاً الاستفادة من مزيد من التدريب للتعرّف على السمات الأقل وضوحاً التي قد تظهر في فصولهم الدراسية. وفي نفس الوقت، الآباء هم أفضل من يمثلون أطفالهم، لذا ينبغي على أطباء الأطفال والمعالجين والمعلمين أن يُحسنوا الإصغاء عندما يصف الآباء ما يلاحظونه في المنزل.
ولا يعني أي من ذلك أن الأولاد لا يستحقون الاهتمام نفسه؛ بل إن الفتيات يجب ألا يُتركن يواجهن الصعوبات وحدهن. وينبغي أن يكون الهدف الوصول إلى مرحلة يحصل فيها كل طفل على الدعم الذي يحتاجه ليعيش حياة أكثر سعادة وصحة.