خلايا عصبية اصطناعية لعلاج الشلل
سنابل الأمل / متابعات
حقق علماء جامعة «نورث ويسترن» الأمريكية إنجازًا بارزًا فى دمج التكنولوجيا الحديثة مع علم الأحياء، بتطوير خلايا عصبية اصطناعية تتواصل بنجاح مع خلايا الدماغ الحية، معتمدة على إشارات كهربائية دقيقة لنقل المعلومات بين الدماغ وباقى أعضاء الجسم.
وتوصل العلماء إلى تحقيق هذا الإنجاز من خلال دراسة دقيقة جاءت نتاج تعاون بحثى مكثف بين فريق من الباحثين بقيادة البروفيسور جوناثان ريفناي، وباحثين من جامعات دولية مثل جامعة لينكوبينج بالسويد وجامعة إيندهوفن بهولندا. ويُعد البروفيسور ريفناى وفريقه البحثى روادًا فى مجال استخدام الإلكترونيات الحيوية العضوية لتطوير أعصاب اصطناعية تتحدث نفس لغة الجسم، وذلك عن طريق تطوير «ترانزيستورات كهروكيميائية عضوية» قادرة على محاكاة وظائف المشابك العصبية بدقة مذهلة.
ويمثل هذا التطور العلمى لحظة فارقة فى تاريخ الهندسة الحيوية، حيث انتقل العلماء من مجرد محاكاة النشاط العصبى برمجيًا إلى تجسيده ماديًا بطرق تسمح بالاندماج البيولوجى الكامل. أُجريت خلال الدراسة، التى نشرت فى دورية «نيتشر كوميونيكيشن»، عددا من التجارب على أنسجة أدمغة فئران، حيث حفزت الخلايا الاصطناعية استجابات فعلية فى الشبكات العصبية.
وأشار العلماء إلى أن هذا الإنجاز من المتوقع أن يسهم فى تحقيق قفزة نوعية نحو زرع خلايا عصبية اصطناعية يمكنها علاج الشلل وإصابات الجهاز العصبى من خلال الاندماج بسلاسة مع الجهاز العصبى البشري.
ونجح الفريق البحثى بقيادة البروفيسور جوناثان ريفناى فى كسر الحاجز التقليدى بين الإلكترونيات الصلبة والأنسجة الحيوية اللينة، عبر تطوير أعصاب اصطناعية عضوية لاتكتفى بنقل الإشارات الكهربائية فحسب، بل تتعامل مع الأيونات والناقلات العصبية تمامًا كما يفعل الجهاز العصبى البشري.
وبالفعل تمكنوا من تحويل الإلكترونيات من مجرد أدوات «خارجية» إلى أجزاء «مندمجة» عضوياً مع جسم الإنسان.
وأشار البروفيسور ريفناى إلى أنه وفريقه البحثى لم يطوروا فقط مفتاحا كهربائيا، بل نجحوا فى عمل جسر بيولوجى قادر على ترجمة النبضات الأيونية للجسم إلى بيانات رقمية، والعكس، مما يفتح آفاقًا لطب لا يشفى الجسد فقط، بل يندمج معه. وخلال عرض تفاصيل الدراسة لوحظ التركيز على مصطلح الحوسبة العصبية الذى يستخدمه البروفيسور ريفناي، فهو يربط بين الذكاء الاصطناعى والبيولوجيا بطريقة من المتوقع أن تؤثر بشكل كبير على مستقبل الطب فى السنوات القادمة.
وتعليقًا على الدراسة يقول الدكتور زياد يسرى أستاذ جراحة المخ والأعصاب بطب عين شمس إن الدراسة تعد شديدة الأهمية وفارقة فى مجال دمج الطب العصبى والهندسة الحيوية، لأن العلماء كانوا دائمًا يحاولون التواصل مع المخ البشرى بطرق متعددة، لكنها كانت طرقًا بدائية إلى حد ما ولا تتحدث نفس لغة خلايا المخ والخلايا العصبية. لكن من خلال هذه الدراسة تم تطوير خلايا عصبية اصطناعية تعمل بطريقة مشابهة لعمل الخلايا العصبية الطبيعية بشكل أكبر وأكثر دقة، وقادرة على إرسال إشارات عصبية مشابهة للإشارات الطبيعية بشكل غير مسبوق.
وعندما طبق العلماء الدراسة على أدمغة الفئران وجدوا أن استجابة خلايا المخ لديهم للإشارات العصبية الاصطناعية مماثلة لاستجابتها للخلايا الطبيعية. ومن المتوقع أن تسهم فى فتح آفاق جديدة فى علاج الأمراض الناتجة عن تلف الخلايا العصبية مثل الشلل الناتج عن تلف فى مراكز الحركة وفقد البصر والسمع.
لكن على الرغم من أهمية هذه الدراسة فإنها لاتزال فى مراحلها الأولى وتحتاج إلى مزيد من التجارب قبل تطبيقها على البشر.
ويقول الدكتور عمرو السمان أستاذ جراحة المخ والأعصاب بطب القاهرة إن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا كبيرًا فى الأبحاث المتعلقة بتعزيز التواصل بين الشرائح الإلكترونية والخلايا العصبية للإنسان والآلة، بما يتيح مساعدة المرضى الذين يعانون إصابات أو تلفا بالموصلات العصبية بسبب الحوادث أو الأمراض، مثل فقدان السمع، والبصر أو الشلل الناتج عن تلف أجزاء من الحبل الشوكي. وتقوم الفكرة على تعويض الخلايا العصبية التالفة بمواد أو أنظمة صناعية قادرة على نقل الإشارات العصبية من المناطق السليمة أعلى موضع الإصابة إلى المناطق السليمة أسفلها، بما يسمح على سبيل المثال بإعادة تحريك الأطراف لدى المصابين بالشلل.
ونجح فريق طبى بالتعاون مع جراحى المخ والأعصاب وخبراء التكنولوجيا الحيوية فى جامعة لوزان السويسرية فى تطوير جهاز يمكن هؤلاء المرضى من الوقوف، غير أن التحدى الأكبر لا يزال يتمثل فى الانتقال من التحكم اليدوى بالأزرار إلى التحكم المباشر عبر التفكير، بحيث تتحول الإشارات الدماغية تلقائيًا إلى أوامر تشغيل للجهاز. وتعمل على هذا المجال فرق بحثية أوروبية وأمريكية، من بينها باحثون فى جامعة نورث ويسترن الأمريكية، ركزوا على تطوير خلايا عصبية صناعية منخفضة استهلاك الطاقة. كما تتميز هذه التقنية الجديدة بمرونة وقدرة أكبر على التكيف والتطور، بما يشبه آلية عمل الدماغ البشرى الذى يغير باستمرار طرق الاتصال العصبى واستهلاك الطاقة بحسب طبيعة المهام المختلفة. ويرى الباحثون أن هذه الخصائص تمثل خطوة مهمة نحو تطوير آليات تواصل أكثر كفاءة وواقعية، وقادرة على محاكاة الشبكات العصبية البشرية بصورة أقرب من أى وقت مضى.
الأهرام