سنابل الأمل/ خاص
امي الغائبة التي لم تغب
بقلم أ/ محمد بن عبد الله الدعيلج
أدركتُ متأخرًا أن الأم لا تُغادر أبناءها مهما مرّ الزمن، فهي و إن رحلت تبقى في الطباع، وفي الكلمات، وفي طريقة الحب، وحتى في طريقة الانكسار ، لذلك كلما هممتُ أن أكتب عن أمي… شعرتُ أنني لا أكتب عنها، بل أكتب عني أنا.
عن ذلك الطفل الذي ما زال يسكنني، أدركتُ أن أمي لم تكن شخصًا عابراً مرَّ في عمري، بل كانت الملامح التي تشكّلت منها روحي دون أن أشعر.
حتى خوفي على من أحب، و ارتباكي حين أقلق،
و دعواتي المرتجفة في آخر الليل…
كلها تشبه أمي أكثر مما تشبهني
كنتُ أظن أنني كبرتُ بعيدًا عنها، ثم اكتشفتُ أنني كبرتُ بها، أن صوتها لا يزال يعيش في داخلي كوصيةٍ لا تنطفئ، وأن قلبها لم يكن يسكن بيتنا ، بل سكنني أنا أيضًا.
أمي الوطنٌ الذي أعود إليه كلما تعبتُ من العالم.
هي الجزء النقيّ الذي بقي فيَّ رغم كل ما غيّرتْه الأيام.
رحمك الله يا أمي ، رحلتي و لكن بقيت تفاصيلك الصغيرة داخلي .
أنا لا أتذكر أمي كصورةٍ عابرة في الذاكرة، بل أتذكرها كنبضٍ يسري في تفاصيل أيامي، كأنها تسكنني أكثر مما أسكن نفسي.
كل الأشياء الجميلة التي أظنها مني… كانت منها أولًا، لينُ الحديث، ودفءُ العتاب، والخوف على الأحبة، والحنين الذي يباغتني بلا سبب… كلها إرثٌ صغير من امرأةٍ عظيمة اسمها أمي.
حين أغضب، أجد في ملامحي شيئًا منها.
وحين أدعو لمن أحب، أسمع نبرة صوتها في دعائي، وحين أتعب من الدنيا، أبحث دون شعور عن ذلك الأمان القديم الذي كان يبدأ من يدها وينتهي عند قلبي.
كلما أردتُ أن أكتب عن أمي، اكتشفت أني أكتب عن نفسي. عن ذلك الجزء الأبيض الذي زرعته في روحي، ثم مضت ترويـه بالدعاء حتى كبر.
فأنا لستُ ابن أمي فقط…
أنا بعضُ قلبها يمشي على الارض .
لهذا… كلما أردتُ الكتابة عن أمي، أدركتُ كم أنا أمي