وقفية كفالة طالب علم من ذوي الإعاقة… تعليم يصنع الأثر

0 1

سنابل الأمل / متابعات

 

أَكَّدَ فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة، الداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن وقفية كفالة طالب علم من ذي الإعاقة تُعد تطبيقًا عمليًا لمبادئ العدالة والكرامة الإنسانية التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، وهي قيم تحرص الإدارة العامة للأوقاف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على دعمها وترسيخها من خلال المصرف الوقفي للتنمية العلمية والثقافية، انطلاقًا من الهدي القرآني والنبوي الداعي إلى تمكين الإنسان وصون كرامته وإتاحة الفرص أمامه للإسهام في عمارة الأرض وخدمة مُجتمعه.
وأضافَ: إن الوقفية تجسّد الاهتمام بتنمية قدرات الإنسان وتعزيز فرصه التعليمية، تحقيقًا لمراد الخالق في الاستحلاف وعمارة الأرض، منوهًا بأن الإدارة العامة للأوقاف حرصت على بناء شراكات فاعلة مع الجهات التعليمية المتخصصة، ومن بينها مدرسة التمكن الشاملة، بما يسهم في توفير بيئة تعليمية متطورة تلبّي احتياجات الطلبة من ذوي الإعاقة، مطالبًا المجتمع بمواصلة دعم هذه الفئة وإتاحة الفرص المناسبة أمامها للإسهام في مختلف مجالات التنمية، لما تمتلكه من قدرات ومهارات متميّزة.
وأوضح أن إطعام الجائع يحقق نفعًا عظيمًا ليوم أو أيام، أما تعليم الإنسان وتمكينه فيمنحه وسيلة لتغيير حياته ومستقبله، ويجعل أثر العطاء ممتدًا ومتجددًا، فالطالب الناجح يصبح نافعًا لنفسه وأسرته ومجتمعه. وأشارَ إلى أن مشاركة الفرد في تنمية مجتمعه تعزز قيم الانتماء والمسؤولية، وأن الوقفية تمثل أكثر من مجرد عمل خيري، فهي استثمار في الإنسان، وإسهام في بناء الوطن، وتعزيز للتماسك المجتمعي، وتجسيد للقيم الحضارية التي يدعو إليها الإسلام.

• كيف استلهمت الإدارة العامة للأوقاف رؤيتها الشرعية لتدشين وقفية كفالة طالب علم من ذي الإعاقة؟ وما الذي يميّز الوقفية عن غيرها؟

جاءت فكرة الوقفية انطلاقًا من الحرص على تعزيز فرص التعليم والتمكين لذوي الإعاقة، باعتبار التعليم من أهم أدوات بناء الإنسان وتنمية قدراته. ومن هذا المنطلق، رأت الإدارة العامة للأوقاف من خلال المصرف الوقفي للتنمية العلمية والثقافية أهمية توجيه الدعم نحو هذه الفئة بالتنسيق مع الجهات المختصة، بما يسهم في تأهيل وتمكين ذوي الإعاقة وتحويلهم إلى طاقات فاعلة ومُنتجة في المجتمع، ضمن رؤية تستهدف بناء رأس المال البشري وتحقيق التنمية المُستدامة.
وامتدادًا لجهود الإدارة العامة للأوقاف في هذا المجال استفاد خلال العام الماضي 36 طالبًا وطالبة من المنح التعليمية المخصصة لذوي الإعاقة التي يدعمها المصرف الوقفي للتنمية العلمية والثقافية.
وتتميّز الوقفية بترسيخ مفهوم العدالة الشاملة في صورته العملية، من خلال إتاحة الفرص التعليمية للفئات التي تحتاج إلى دعم إضافي، وتجسيد مبدأ الكرامة الإنسانية الذي أكدته الشريعة الإسلامية، مصداقًا لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، فالتكريم مرتبط بإنسانية الإنسان وقيمته، وليس بقدراته الجسدية أو ظروفه الاجتماعية أو الاقتصادية.

• كيف حثت الشريعةُ على تعليم ذوي الإعاقة؟

تزخر النصوصُ الشرعية والسيرة النبوية بالعديد من النماذج التي تؤكد أهمية تمكين ذوي الإعاقة وإشراكهم في المجتمع. ففي سورة «عبس» تتجلى مكانة طالب العلم وحرصه على الهداية، كما أن الصحابي الجليل عبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه، رغم فقده البصر، تولى مهام جليلة، فكان مؤذنًا للنبي صلى الله عليه وسلم وأمَّ المسلمين في المدينة المنورة عند غياب النبي صلى الله عليه وسلم، كما استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض أسفاره، بحسب ما ورد في كتب السيرة.
وتزخر الحضارة الإسلامية بنماذج كثيرة لعلماء ومفكّرين من ذوي الإعاقة كانت لهم إسهامات علمية وحضارية بارزة، وهو ما يؤكد أن الإعاقة لم تكن يومًا عائقًا أمام العلم والعطاء والتميّز.

• كيف تتلاقى الوقفية مع الأهداف الإنسانية العالمية والإنمائية الدولية؟

تعليم ذوي الإعاقة في الإسلام جزء من منظومة متكاملة تقوم على حفظ الكرامة الإنسانية وتمكين الإنسان من أداء دوره في المجتمع. ولذلك تحرصُ الإدارة العامة للأوقاف على دعم المبادرات التي تسهم في توفير فرص التعليم والتأهيل لهذه الفئة.
كما أن مبادئ الوقفية تتوافق مع العديد من القيم الإنسانية والتنموية التي تؤكدها المواثيق الدولية المعاصرة، ومنها تكافؤ الفرص، والحق في التعليم، والتمكين الاقتصادي والاجتماعي. وعند النظر إلى أهداف التنمية المستدامة نجد أن الوقفية تسهم في دعم عدد من هذه الأهداف، وفي مقدمتها التعليم الجيّد، والصحة الجيدة، والعمل اللائق، والحد من أوجه التفاوت، من خلال الاستثمار في تعليم وتأهيل ذوي الإعاقة وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع.

• ما الذي يضمن استمرارية الوقف على تعليم ذوي الإعاقة؟

تقوم فكرة الوقف في أصلها على الاستدامة، ولذلك بقيت أوقاف كثيرة قائمة عبر قرون طويلة في عدد من المدن الإسلامية. ويستند الوقف إلى قواعد شرعية راسخة، من أبرزها المحافظة على أصل الوقف وتنمية منافعه واستثمارها بما يحقق مقاصد الواقف ويضمن استمرار الأثر.
كما أن الإدارة العامة للأوقاف تحرص على تنويع الاستثمارات الوقفية وتطويرها، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، بما يسهم في استدامة الموارد واستمرار دعم البرامج التعليمية والتنموية. ومن خلال هذا النهج يصبح الوقف أداة مستدامة لتأهيل الطلاب وتمكينهم من التحوّل من مستفيدين من الدعم، الى أفراد فاعلين ومساهمين في التنمية.

• كيف تُسهم جهود الإدارة العامة للأوقاف في الوقفية في نهضة الوطن ومقاصد الشرع في استخلاف الإنسان في الأرض؟

تشير العديد من الدراسات والتقارير الدولية إلى أن الاستثمار في تعليم وتأهيل ذوي الإعاقة يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية كبيرة على المدى الطويل، من خلال تنمية القدرات البشرية وتعزيز المشاركة في سوق العمل ودعم التنمية المستدامة. كما تؤكد المؤسساتُ الدولية المعنية بالتنمية أن الاستثمار في رأس المال البشري يعد من أهم عوامل التقدم الاقتصادي والاجتماعي في الدول الحديثة.
ومن هذا المنطلق، تنظرُ الإدارة العامة للأوقاف إلى الوقف باعتباره أداة تنموية تسهم في بناء الإنسان وتمكينه، بما ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية في عمارة الأرض وتحقيق النفع للناس. فالاستثمار في تعليم ذوي الإعاقة لا يقتصر على توفير فرصة تعليمية فحسب، بل يمتد إلى بناء شخصية قادرة على الإنتاج والمشاركة والإبداع وخدمة المُجتمع.
ويأتي ذلك من خلال منظومة متكاملة تجمع بين الأبعاد التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، بما يحقق التمكين المستدام للفرد، ويعزز دوره في التنمية الوطنية، ويتوافق مع رسالة الوقفية الرامية إلى تنمية القدرات البشرية وإتاحة الفرص أمام الجميع للمشاركة الفاعلة في بناء المُجتمع.
كما تستند الإدارة العامة للأوقاف إلى خبرة مؤسسية متراكمة في إدارة المشاريع الوقفية وقياس أثرها وتطويرها، مع الحرص على بناء الشراكات المتخصصة والاستفادة من الخبرات المتنوعة، بما يسهم في تحقيق أفضل النتائج للفئات المستفيدة وتعظيم الأثر التنموي للوقف.

• ما أهمية الشراكات الفاعلة في تحقيق دور الوقف على تعليم ذوي الإعاقة؟

تحرص الإدارةُ العامة للأوقاف بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على بناء الشراكات الفاعلة مع الجهات المتخصصة، انطلاقًا من إيمانها بأن تحقيق الأثر المستدام يتطلب تكامل الجهود وتبادل الخبرات وتوحيد الإمكانات.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الشراكة مع مدرسة التمكن الشاملة، التي توفر بيئة تعليمية متطورة تراعي احتياجات الطلبة من ذوي الإعاقة، من خلال التجهيزات الحديثة والوسائل التعليمية والتقنية المناسبة، إلى جانب البرامج التعليمية والتأهيلية التي تسهم في تطوير قدراتهم العلمية والمهارية.
كما تمتد جهودُ الإدارة العامة للأوقاف إلى دعم عدد من الجهات المتخصصة في خدمة ذوي الإعاقة، حيث دعمت خلال العام الماضي الجمعية القطرية للتوحد عبر شراكة استراتيجية شملت دعم البرامج والأنشطة المتخصصة، واستفاد من خدماتها 2123 مستفيدًا، إلى جانب 556 مستفيدًا من برامج السباحة المخصصة لهم. كما دعمت برامج الجمعية القطرية لتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة التي استفاد من خِدماتها 121 مستفيدًا.
وتسهم هذه الشراكاتُ في تعزيز جودة الخدمات المقدمة، وتطوير الأداء بصورة مستمرة، وضمان توجيه ريع الوقف نحو برامج ومبادرات تحقق أثرًا حقيقيًا وملموسًا في حياة المستفيدين، وذلك حسب شروط الواقفين الكرام.

• ما الواجبات التي ينبغي على المجتمع القيام بها تجاه وقفية كفالة طالب علم من ذي الإعاقة؟

من أهم الواجبات المجتمعية الإيمان بقدرات الأشخاص من ذوي الإعاقة، وتعزيز ثقافة دمجهم وتمكينهم وإتاحة الفرص المناسبة لهم للتعليم والعمل والإبداع، باعتبارهم شركاء في التنمية وعناصر فاعلة في بناء المُجتمع.
ويزخر تاريخنا الإسلامي والعلمي بالعديد من النماذج المشرقة التي أثبتت أن الإعاقة لم تكن عائقًا أمام التفوّق والإنجاز، فقد برز عبر التاريخ عدد كبير من العلماء والمفكرين الذين كانت لهم إسهامات مؤثرة في مُختلِف مجالات المعرفة.
كما يتحمل المجتمع مسؤولية دعم فرص التشغيل للخريجين من ذوي الإعاقة، وتمكينهم من توظيف مهاراتهم وقدراتهم، بما يسهم في تحقيق اندماجهم الكامل في المجتمع والاستفادة من طاقاتهم وإمكاناتهم.

• ما الذي يمكن أن نقوله للواقفين على وقف تعليم ذوي الإعاقة؟

أقول للواقفين إن الوقفيات التعليمية من أنبل صور العطاء وأكثرها بقاءً وأعظمها أثرًا، وإن وقفية كفالة طالب علم من ذي الإعاقة تمثل استثمارًا في الإنسان وبناءً للمستقبل، حيث يمتد أثرها إلى سنوات طويلة من العلم والعمل والإنتاج والعطاء.
فالمساهمة في تعليم إنسان وتمكينه من بناء مستقبله تعد من أعظم صور الإحسان، لما يترتب عليها من آثار إيجابية متجددة تعود بالنفع على الفرد وأسرته ومجتمعه. فالطالب المتعلم يمتلك فرصًا أكبر للنجاح المهني والاجتماعي، ويصبح أكثر قدرة على خدمة نفسه ومجتمعه والمشاركة في التنمية.
كما أن الوقفية تجمع بين أثر الصدقة الجارية وأثر العلم النافع، وهما من الأعمال التي يمتد نفعها ويستمر أثرها بإذن الله تعالى.

• هل يمكن للشباب المُشاركة في مثل هذه الأوقاف، وكيف؟

الشباب هم طاقة المجتمع ومحرّكه الأساسي، ولذلك تتعدد مجالات مشاركتهم في دعم الوقف وخدمة أهدافه، سواء من خلال العمل التطوعي، أو المساهمة في المبادرات المجتمعية، أو نشر الوعي بأهمية الوقف ورسائله التنموية، أو المساهمة الوقفية بما يتيسر لهم من إمكانات.
كما يمكن للشباب تسخير مهاراتهم العلمية والتقنية والإعلامية لخدمة هذه المبادرات، والإسهام في التعريف بأهدافها وتعزيز حضورها المجتمعي، بما يوسع دائرة المشاركة ويزيد من أثر الوقف واستدامته. وقد حث الإسلامُ على أبواب الخير المتنوعة، وجعل المساهمة في نفع الناس من أعظم القربات، وهو ما يفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في أعمال الخير وفق قدراتهم وإمكاناتهم.

• كيف يمكن لأهل الخير دعم ذوي الإعاقة عبر هذه الوقفية؟

الوقفية تتجاوز مفهوم الدعم المباشر، إلى مفهوم المساهمة الوقفية التي يتم الاستثمار من خلالها وتوجيه الريع السنوي لطلاب العلم من ذوي الإعاقة، وتُسهم في بناء منظومة تنموية مستدامة تسهم في تعزيز التماسك المجتمعي، ودعم التنمية الوطنية، وترسيخ صورة إيجابية عن القيم الإنسانية والحضارية التي يدعو إليها الإسلام، بما ينسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030 في بناء الإنسان وتنمية قدراته وتمكينه من الإسهام الفاعل في نهضة الوطن.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق