الثنائية في آية الكرسي

0 2

الثنائية في آية الكرس

 

سنابل الأمل / خاص

بقلم : الاستاذ / محمد بن عبدالله الدعيلج

 

تبدو آية الكرسي، للوهلة الأولى، آيةً تتحدث عن عظمة الله وقدرته وعلمه وملكه، غير أن التأمل في بنائها يكشف عن نسيج بديع من الثنائيات المتقابلة والمتكاملة؛ ثنائيات تكشف في اجتماع طرفيها عن كمال الصفة الإلهية، و محدودية الإنسان أمام الإطلاق الإلهي.

 

قال تعالى:

 

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].

 

إن أول ما يلفت النظر أن الآية لا تعرض صفات متفرقة، وإنما تبني أمام القارئ عالمًا من الأزواج المتقابلة، حتى يشعر المرء وكأن المعنى ينتقل من طرف إلى طرف، ثم يعود إلى مركز واحد هو: الله.

 

حيث تبدأ الآية بقوله تعالى:

 

﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

 

وهنا ثنائية عميقة: الحياة والقيومية.

 

فالحياة الإلهية حياة كاملة لا يعتريها موت ولا ضعف، والقيومية تعني قيامه سبحانه بنفسه وقيامه على خلقه. وكأن الآية تجمع بين كمال الذات وكمال الفعل؛ فهو حي في ذاته، قيوم في تدبيره لغيره.

 

ثم يأتي النفي:

 

﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾

 

فتظهر ثنائية أخرى: السِّنة والنوم؛ يبدأ النفي بالأخف ثم بالأشد، لتُغلق الآية كل منافذ الضعف البشري: لا فتور، ولا نوم، ولا غفلة.

 

فالإنسان قد تغلبه السِّنة قبل النوم، وقد يغلبه النوم عن تدبير شؤونه، أما قيومية الله فلا تعرف انقطاعًا ولا غفلة.

 

ثم يقول سبحانه:

 

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

 

إنها ثنائية المكان في أوسع صورة: السماوات والأرض ، وكأن النص ينتقل من الإنسان إلى الكون كله، ليقرر أن الملك الإلهي لا تحدّه جهة ولا يضيق عنه نطاق.

 

السماء بما فيها من علو واتساع، والأرض بما فيها من قرب وكثافة؛ كلاهما داخل في قوله:

 

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

 

واللافت أن الآية لا تقول فقط: له السماوات والأرض، بل تقول: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ فتتجاوز ملك المكان إلى ملك كل ما يسكن المكان.

 

ثم تأتي ثنائية تبدو، في ظاهرها، أكثر اتصالًا بالإنسان:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

 

هنا تقف الشفاعة أمام الإذن.

 

 

فالشفاعة التي يتوهم الإنسان أنها باب يمكن أن يُفتح بذاته، تصبح في الآية خاضعة لإرادة الله. ليست هناك سلطة مستقلة إلى جوار سلطانه؛ حتى الشفاعة لا تتحرك إلا بإذنه.

 

وهكذا تنقلنا الآية من تصور الملك إلى تصور السيادة المطلقة.

 

ومن أجمل ثنائيات الآية قوله تعالى:

 

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾

 

إنها ثنائية المستقبل والماضي في أوسع دلالة لها.

 

ما بين أيديهم؛ ما يستقبلونه ويقبل عليهم، وما خلفهم؛ ما مضى وتركوه وراءهم.

 

الإنسان محكوم بحدود الزمن: يتذكر الماضي، ويجهل المستقبل؛ أما علم الله فلا يحجبه ماضٍ ولا مستقبل، ولا يقع شيء في الزمن إلا وهو داخل في علمه.

 

ولذلك تأتي بعدها مباشرة:

 

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.

 

في مقابل علم الله المحيط يأتي علم الإنسان المحدود.

 

وهنا الثنائية ليست بين علمين متساويين، وإنما بين الإحاطة وعدم الإحاطة.

 

بين علم الله وعلم الإنسان

 

وهذه من أعمق ثنائيات الآية:

 

﴿يَعْلَمُ﴾ في مقابل ﴿لَا يُحِيطُونَ﴾.

 

الله يعلم، والإنسان لا يحيط.

 

الله يعلم الماضي والمستقبل، والإنسان لا يعلم إلا ما أُذن له بمعرفته.

 

الله علمه مطلق، وعلم الإنسان ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.

 

ولذلك فإن عبارة ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ترسم حدود المعرفة البشرية، وترد الإنسان إلى مقامه الطبيعي: مهما بلغ من العلم، فإن علمه عطية، وليس استقلالًا.

 

و تعود ثنائية السماوات والأرض، لكنها تأتي في سياق جديد.

 

﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.

 

السماوات والأرض: اتساع الخلق أمام اتساع الكرسي

 

ثم تبلغ الصورة ذروة الاتساع:

 

في بداية الآية كانتا ميدانًا للملك:

 

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

 

ثم أصبحتا ميدانًا للسعة:

 

﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.

 

وكأن الآية تبدأ بتقرير الملك، ثم تنتقل إلى بيان العظمة.

 

ثم يقول سبحانه:

 

﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.

 

وهنا ثنائية أخرى شديدة الدلالة: حفظ الله مقابل عجز الإنسان ، فالإنسان إذا حمل شيئًا ثقيلاً أعيَاه، وإذا كثرت عليه المسؤوليات أرهقته، وإذا اتسعت دائرة ما يدبره ضاقت قدرته.

 

أما الله سبحانه فلا يثقله حفظ السماوات والأرض.

 

إنها صورة مقابلة بين عظمة المحفوظات وعدم مشقة الحفظ على الحافظ؛ فمهما عظم الكون واتسع، لا يمثل حفظه عبئًا على القدرة الإلهية.

 

وتختم الآية بثنائية بديعة:

 

﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

 

العلو والعظمة.

 

العلو يشير إلى رفعة الله سبحانه وقهره فوق خلقه، والعظمة إلى كمال قدره وجلاله.

 

 

وكأن الآية، بعد أن طافت بالقارئ في دوائر الحياة والقيومية، والنوم واليقظة، والسماء والأرض، والماضي والمستقبل، والعلم والجهل، والحفظ والعجز، تجمع كل تلك المعاني في خاتمتين:

 

عليٌّ… عظيم.

 

ولعل من أعمق ما في آية الكرسي أنها لا تبني عظمتها على الإثبات وحده، ولا على النفي وحده، وإنما تجمع بينهما في ثنائية.

 

تقول:

 

﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾

 

نفيٌ يعقبه إثبات.

 

﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾

 

نفيٌ للضعف.

 

﴿وَلَا يُحِيطُونَ﴾

 

نفيٌ لإحاطة الإنسان بعلم الله.

 

﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾

 

نفيٌ للعجز.

 

فالنفي في الآية ليس فراغًا من المعنى، بل هو إزالة لكل نقص، حتى يصفو المعنى للكمال.

 

وبين كل هذه الثنائيات تظل هناك ثنائية كبرى تستوعبها جميعًا:

 

الله والخلق.

 

الله حي، والخلق يموتون.

 

الله قيوم، والخلق محتاجون.

 

الله يعلم، والخلق لا يحيطون.

 

الله يحفظ، والخلق يحتاجون إلى الحفظ.

 

الله عظيم، والخلق محدودون.

 

وهنا تكمن روعة البناء القرآني؛ فالآية لا تقدم لنا مجرد قائمة من الصفات، وإنما ترسم مسافة هائلة بين الكمال الإلهي والنقص البشري، ثم تدعو الإنسان، وهو يقرأها، إلى أن يرى نفسه في موضع العبودية والافتقار.

 

والأجمل أن الآية تتحرك في مسار يكاد يكون دائريًا:

 

تبدأ بـ:

 

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾

 

وتنتهي بـ:

 

﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

 

في البداية توحيد، وفي النهاية تعظيم.

 

وبينهما رحلة من الصفات والأفعال والمعاني التي تجعل القلب يصل إلى النتيجة ذاتها: لا معبود بحق إلا الله، ولا كمال مطلق إلا له.

 

وهكذا تبدو آية الكرسي آية توحيد بُنيت على الثنائيات؛ كلما وضع القرآن أمامنا طرفًا من عالم الخلق، كشف لنا في الطرف المقابل كمالًا من كمالات الخالق.

 

ولعل أعمق ما تمنحه لنا هذه الثنائية أن الإنسان لا يكتشف عظمة الله بمجرد النظر إلى صفاته، بل يكتشفها أيضًا حين يرى حدوده هو.

 

فكلما أدرك الإنسان أنه لا يملك، تبيّن له معنى الملك.

 

وكلما أدرك أنه لا يعلم، تبيّن له معنى العلم.

 

وكلما أدرك أنه يعجز، تبيّن له معنى القدرة.

 

وكلما أدرك أنه يحتاج، تبيّن له معنى القيومية.

 

ومن هنا يمكن أن تكون آية الكرسي، في بنائها البلاغي والتدبري، رحلة من الثنائيات إلى الواحد؛ من السماء والأرض، والماضي والمستقبل، والشفاعة والإذن، والعلم وعدم الإحاطة، إلى الحقيقة التي تجمعها كلها:

 

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾.

 

فكأن كل ثنائية في الآية تنتهي، في أعماقها، إلى وحدة واحدة:

 

وحدة الربوبية، ووحدة الألوهية، ووحدة الكمال

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق