كبار السن… ذاكرة لا تشيخ
سنابل الأمل/ خاص

هناك وجوهٌ كلما تقدّم بها العمر، ازدادت في أعيننا جمالًا؛ لأن الزمن لم يأخذ منها بقدر ما أضاف إليها. أضاف إلى ملامحها وقار التجربة، وإلى حديثها حكمة الأيام، وإلى صمتها حكاياتٍ كثيرة لا تُروى إلا لمن يجلس بقربها ويُحسن الإصغاء.
إنهم كبار السن
و في الأول من أكتوبر من كل عام ، يحتفي العالم بكبار السن، ونحن اليوم حين نحتفي بعدد السنين التي أمضاها آباؤنا إنما نحتفي بما تركته تلك السنين من أثرٍ في القلوب، وما أودعته في الحياة من تجارب وحكايات وذكريات.
كبار السن هم الكتاب الذي ما زال بين أيدينا؛ في سطوره حكمة التجربة، وفي هوامشه دروس الأيام، وبين كلماته حكايات آبائنا وأجدادنا، أولئك الذين حملوا مشقة الحياة بصبر، وبنوا لنا ما ننعم به اليوم.
هم الذين عرفوا قيمة الأشياء قبل أن تزدحم الأسواق بها، وعرفوا معنى الجيرة قبل أن تتسع المدن، ومعنى الوفاء قبل أن يصبح كلمةً تتردد على الألسن، وعرفوا أن الإنسان يُقاس بما يمنحه، لا بما يملكه.
كانوا يبدأون يومهم قبل أن تستيقظ المدن، ويكدّون قبل أن تعرف الأجيال الجديدة معنى الكدح، ويحملون همّ الأسرة كما يحمل المرء أمانةً لا يجوز أن يفرّط فيها.
ولعل أجمل ما نقدمه لهم ألا نجعلهم يشعرون بأن الزمن قد تجاوزهم؛ فالإنسان لا يكبر حين تتقدم به السنوات، وإنما يكبر حين يشعر أن مكانه قد ضاق في قلوب من حوله.
امنحوهم وقتًا…
فقد كانوا يمنحوننا أعمارهم.
واسمعوا حكاياتهم ولو سمعتموها من قبل؛ ففي كل مرة يروونها، إنما يفتحون لنا نافذةً على زمنٍ لم نعشه.
قبّلوا أيديهم، واحتضنوا تجاعيد وجوههم؛ فهذه التجاعيد ليست علامات ضعف، بل خرائط لأيامٍ طويلةٍ قطعوها من أجلنا.
وفي يومهم العالمي، لنتذكر أن أجمل الوفاء كلمات جميلة تُقال عنهم، تمنحهم نوعاً من الرضا وتخبرهم اننا نثمن دورهم و أن نحيطهم بالعناية و نقدّم لهم الاحترام و التقدير ، و نشعرهم بالمكان الذي نحفظه لهم في بيوتنا وقلوبنا.
كبار السن ذاكرتنا الحيّة، وبركة حاضرنا، وجسرٌ يصلنا بجذورنا.
فطوبى لعمرٍ طال حتى أثمر حكمة،
وطوبى لقلبٍ ما زال يعطي،
وطوبى لمن أدرك أن بركة الحياة قد تأتي أحيانًا في هيئة أبٍ أو أمٍ أو جدٍ أو جدة، جلسوا في ركنٍ هادئ من البيت، ينتظرون منا شيئًا بسيطًا جدًا…
أن نلتفت إليهم
وفي يومهم العالمي، لا نقول لهم: كل عام وأنتم بخير .
بل نقول:
كل عام وأنتم في قلوبنا مكانًا لا يشيخ.
كل عام وأنتم شاهدون على ما مضى، وحاضرون في ما نعيش، وأمناء على ما تركه الآباء للأبناء.