علمتني سورة يوسف

سنابل الأمل/ قراءات

بقلم – محمد بن عبدالله الدعيلج

علّمتني سورة يوسف أن الطريق إلى النور قد يمرّ من نفقٍ طويل من العتمة، وأن الله حين يؤخّر الفرج إنما يربّي القلب على الصبر، ويُهذّب الروح على الرضا. قصة يوسف مرآة لكل قلبٍ انكسر ثم نهض، ولكل حلمٍ سُرق ثم عاد أنقى وأبهى.علّمتني أن الحسد قد يأتي من أقرب الناس إلينا، وأن الطعنة حين تكون من يدٍ كنا نظنها سندًا، يكون ألمها أعمق… لكن السورة نفسها همست في أذني: لا تجعل خيباتك تُعلّمك القسوة، بل علّمها أن تصنع منك إنسانًا أوسع صدرًا وأصفى قلبًا.علّمتني أن السجن ليس دائمًا جدرانًا، أحيانًا يكون شعورًا بالعجز، أو ظرفًا خانقًا، أو انتظارًا طويلًا لا نرى في آخره ضوءًا. ومع ذلك، كان يوسف في السجن نبيًّا في خُلقه، حرًّا في روحه، عظيمًا في أخلاقه. فتعلمت أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل.

علّمتني سورة يوسف أن الطهارة ليست امتناعًا فحسب، بل شجاعة في أن تختار الله حين تُفتح لك أبواب الفتنة على مصاريعها. هناك، في لحظة العزلة والابتلاء، يُختبر معدن الإنسان.علّمتني أن التدبير الإلهي أعجب من فهمنا القاصر؛ فذلك القميص الذي عاد ملوّثًا بالدم الكاذب، عاد مرة أخرى يحمل بشارة الحياة إلى عينٍ كفّها الحزن. كأن الله يقول: ما أُخذ منك يومًا سيعود إليك يومًا أجمل، فقط إن بقي قلبك معلّقًا بالسماء.علّمتني أن العفو قمّة لا يصلها إلا الأقوياء. حين وقف يوسف أمام إخوته، لم يكن محتاجًا إلى انتقام ليشعر بالانتصار؛ كان انتصاره الحقيقي أن قال: “لا تثريب عليكم اليوم”. هناك فهمت أن الصفح ليس نسيان الألم، بل اختيار السلام.

علّمتني سورة يوسف أن الأحلام التي نراها صغارًا قد تكبر معنا، وأن تأويل الأقدار لا يظهر من المشهد الأول. كثير من المشاهد بدت قاسية، لكنها كانت تصنع النهاية الجميلة. فتعلمت أن لا أستعجل الحكم على حكايتي وأنا ما زلت في منتصف السطر.وفي كل مرة أعود إلى سورة يوسف، أعود بإنسانٍ جديد في داخلي: أكثر صبرًا، أهدأ يقينًا، وأقرب ثقةً بأن ما يكتبه الله لنا، وإن بدا موجعًا، يحمل في طيّاته رحمة لا نراها إلا حين ننظر إلى الوراء بقلبٍ ممتنّ.

Comments (0)
Add Comment