رمضان في حارتنا القديمة

سنابل الأمل/ خاص

 بقلم: محمد بن عبدالله الدعيلج

 

كان لرمضان في حارتنا القديمة طعمٌ آخر لا يشبهه طعم ، و كأن الزمن يمشي على مهلٍ احترامًا لقدومه، وكأن البيوت تتنفس مع أول ليلةٍ منه نسائم الطمأنينة.

 

لم تكن الأزقة مجرد طرقٍ ضيقة بين الجدران، بل كانت ذاكرةً حيّة تحفظ ضحكات الصغار، وخطوات العائدين من المساجد، وهمسات الدعوات التي تتسلل من النوافذ قبل الإفطار.

 

مع اقتراب المغرب، كانت الحارة تتحول إلى لوحةٍ نابضة بالحياة؛ روائح الشوربة والسمبوسة تتعانق في الهواء، وأصوات الأمهات تنادي أبناءهن بلهجةٍ تجمع بين الحزم والحنان: اقترب الأذان يا أولاد. وعلى عتبات البيوت تتراص الصحون المتبادلة، فلا يُعرف أيّ بيتٍ طهى هذا الطبق أو ذاك، لأن الجميع كان يطبخ للجميع.

 

كان رمضان عيد الاطفال الطويل. يجوبون الأزقة قبل الإفطار بدقائق، يراقبون السماء بعيونٍ متلهفة، وكأنهم شركاء في إعلان الغروب. وما إن ينطلق مدفع الافطار و يرتفع الأذان حتى يعمّ الصمت لحظةً قصيرة، صمتٌ يشبه السكينة، قبل أن تنطلق الحياة من جديد على وقع التهليل والدعاء.

 

في ليالي رمضان كانت الحارة تلبس نورًا مختلفًا مصدره روحانية الشهر الكريم ، فبعد صلاة التراويح. يجتمع الكبار يتبادلون الأحاديث القديمة، ويستعيدون حكاياتٍ بدأت بـ تتذكرون يوم … ولا تنتهي إلا بضحكةٍ جماعية تُطيل عمر المساء.

 

لم تكن وسائل الترفيه كثيرة، لكن القلوب كانت ممتلئة. لعبةٌ بسيطة في الشارع تكفي، وكوب شايٍ بعد التراويح يصبح مناسبةً للأنس، وسهرات السمر كانت تُنسج فيها القصص كما تُنسج الأحلام. حتى السحور كان له هيبته ، فحين يخفُت الضوء وتنام الأزقة، يعلو صوت المسحّر كأنّه نبض الليل نفسه. يوقظ النائمين بنداءٍ يعرف أسماءهم أحيانًا، فيبتسمون وهم بين النوم واليقظة، ثم تجتمع العائلات حول مائدةٍ صغيرة لكنها عامرة بالألفة. كان السحور لحظة هدوءٍ يتصالح فيها الإنسان مع نفسه قبل أن يبدأ يومًا جديدًا من الصيام .

 

واليوم، حين تمرّ الذاكرة بتلك الحارة، نشعر أن رمضان وقتها كان أسلوب حياة. كان قربًا بين القلوب قبل أن يكون تقاربًا بين البيوت، وكان دفئًا إنسانيًا لا تصنعه إلا البساطة.

 

اليوم، تغيّرت الحارات، وارتفعت الجدران، وكثرت الأضواء حتى غاب بعضها عن القلب. لكن ذاكرة رمضان القديم ما تزال حيّة؛ كلما أقبل الشهر، عاد صوت الأذان كما كان، وعادت معه وجوهٌ رحلت وبيوتٌ أُغلقت وأيامٌ لم تعد، لكنها بقيت تسكننا كما يسكن العطر ثوبًا قديمًا و شيئ داخلنا ما زال يبحث عن ذلك الباب الخشبي، وتلك الأزقة المضيئة، وذلك الصوت الذي يقول: تفضلوا… الإفطار جاهز

Comments (0)
Add Comment