د. سمر أبو الخير تكتب: التوحد ليس لغزًا بل طريقة مختلفة لرؤية العالم

سنابل الأمل / متابعات

رغم التقدم العلمي الكبير، ما زال «التوحد»Autism Spectrum Disorder محاطًا بكثيرٍ من سوء الفهم، كأنه حالة غامضة أو استثناء إنساني خارج السياق.

 

لكن الحقيقة التي تكشفها الدراسات الحديثة أن التوحد ليس ندرة، ولا شذوذًا، بل أحد أشكال التنوع البشري التي لم نتعلم بعد كيف نفهمها.

 

تشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو واحد من كل 127 شخصًا حول العالم يقع ضمن طيف التوحد، أي ما يقارب 61.8 مليون إنسان حول العالم وفق دراسة العبء العالمي للأمراض.

 

هذه الأرقام وحدها كفيلة بإعادة صياغة السؤال: هل نحن أمام «حالة فردية» أم أمام واقع إنساني واسع يتطلب إعادة نظر جذرية في نظرتنا؟

 

ولعل أكثر ما يكشف خلل الفهم هو الصورة النمطية السائدة؛ حيث يُختزل التوحد في طرفين متناقضين وهما: إما عبقرية خارقة، أو عجز كامل، بينما تؤكد الأدبيات العلمية أن الطيف (Spectrum) يعني بالضبط هذا التنوع الواسع في القدرات، من إعاقات عميقة إلى مستويات عالية من الأداء المعرفي، وذلك طبقاً لنتائج آخر أبحاث علمية لمنظمة الصحة العالمية، مؤكدة أن التوحد ليس قالبًا واحدًا، بل طيف من التجارب الإنسانية المختلفة.

 

لكن المفارقة الأهم ليست في التوحد ذاته، بل في البيئة المحيطة به، فالدراسات العالمية تشير إلى أن كثيرًا من التحديات التي يواجهها الأفراد على الطيف لا تعود إلى خصائصهم، بل إلى قصور النظم التعليمية والاجتماعية عن استيعابهم، حيث إن السياق التعليمي العام في معظم دول العالم صُمم لنمط تواصل واحد لا يعرف الاختلاف، وهنا تتحول القضية من «اضطراب نمائي» إلى أزمة فهم مجتمعي.

 

إن الطفل الذي لا ينظر في عينيك، أو لا يستجيب للنداءات التقليدية، لا يعني أنه لا يشعر أو لا يفهم؛ بل ربما يعالج العالم بطريقة مختلفة، فالتشخيص العلمي ذاته يعتمد على معايير مثل صعوبات التواصل الاجتماعي وأنماط السلوك المتكررة، وهي معايير تصف السلوك، لكنها لا تختزل الإنسان.

 

وتزداد الصورة تعقيدًا عندما ننتقل إلى الأسرة، التي تعيش بين ضغطين: ضغط الرعاية اليومية، وضغط المجتمع الذي لا يفهم، وهنا يكون العبئ مضاعف على الأسر، خاصة مع الحاجة إلى دعم مستمر في التعليم والعمل والحياة اليومية.

 

أما في التعليم، فالمعضلة أكثر وضوحًا، فبينما تتبنى كثير من الأنظمة مفهوم «الدمج»، يبقى التطبيق شكليًا في كثير من الأحيان، حيث إن إدخال طفل طيف التوحد إلى فصل عادي دون تكييف بيئة التعلم لا يُعد دمجًا، بل إعادة إنتاج للإقصاء بصورة أكثر هدوءًا، حيث أن التمكين الحقيقي يعني تصميم بيئات تعليمية مرنة تستوعب أنماط التعلم المختلفة، لا فرض نموذج واحد على الجميع.

 

إن إعادة التفكير في التوحد لا تبدأ من المختبرات، بل من اللغة التي نستخدمها، فحين نقول هذا الطفل «يعاني من التوحد»، فإننا نفترض الألم قبل أن نفهم التجربة، وحين نصفه بأنه «مشكلة» فإننا نغلق باب الإمكان، بينما تشير الأدبيات الحديثة إلى ضرورة تبني مفهوم «التنوع العصبي»، الذي يرى في الاختلافات العصبية جزءًا طبيعيًا من التنوع البشري، لا خللًا يجب إصلاحه.

 

إن قضية طيف التوحد لدى الأطفال لا تحتاج إلى علاج أو فك ألغاز، بقدر ما يحتاج إلى فهم عميق لطبيعة التنوع والاختلاف البشري، فالتوحد لا يعني نقصًا في الإنسانية، بل اختلافًا في طريقة التعبير.

 

اليوم السابع

 

Comments (0)
Add Comment