بمناسبة اليوم العالمي للتوحد.. «الأيام» تفتح ملفًا إنسانيًا يرصد تجارب الأسر وجهود الدعم

سنابل الأمل / متابعات

في اليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد، لا تبدو الحكاية مجرد مناسبة عابرة، بل نافذة إنسانية مفتوحة على تفاصيل يومية تعيشها أسرٌ اختبرت القلق أولًا، ثم تعلّمت كيف تحوّله إلى فهم، ثم إلى صبر، فإلى أمل لا ينطفئ.
فبين لحظة التشخيص الأولى، وما تحمله من تساؤلات مربكة، وبين سنوات من التجربة والتعلّم، تكتب أمهات فصولًا استثنائية من الإصرار، حيث تتحول التحديات إلى دوافع، وتُعاد صياغة الحياة وفق إيقاع مختلف، عنوانه الإيمان بقدرات الأبناء والسعي لتمكينهم ودمجهم في المجتمع.


ورغم التحديات التي يفرضها اضطراب طيف التوحد، تكشف تجارب عدد من الأمهات عن وجوهٍ أخرى للحكاية، عنوانها الصبر والتأقلم، إذ تتحول رحلة التشخيص من حالة قلق وحيرة إلى مسار مليء بالتعلم والتطور، مدفوعًا بإصرار الأسر على دعم أبنائها وتعزيز حضورهم في المجتمع.


وفي حديثهن لـ«الأيام»، أكدت أمهات لأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد أن البدايات غالبًا ما تكون مليئة بالحيرة، مع مؤشرات مبكرة تتعلق بتأخر التواصل أو اختلاف السلوكيات، قبل أن تتحول هذه الرحلة إلى تجربة عميقة تدفع الأسرة نحو البحث والتعلّم المستمر، في سبيل فهم احتياجات أبنائها ومساندتهم.


وشددن على أن التقبّل المبكر للحالة يمثل نقطة التحول الأهم، إذ ينعكس بشكل مباشر على استقرار الطفل النفسي وتقدّمه، إلى جانب الدور المحوري للأسرة والمدرسة في تنمية المهارات وتعزيز الاندماج، مع التأكيد على الحاجة إلى تطوير الخدمات المقدمة بما يتناسب مع خصوصية هذه الفئة.

فاطمة جاسم

من التحديات إلى التفوق الدراسي
تقول أم أحمد شويطر، وهي أم لطفل من ذوي اضطراب طيف التوحد، بابتسامة واثقة تعكس رحلة طويلة من التحدي، إن ابنها التحق بالمدرسة، وهو يمتلك قدرات مميزة، خاصة في اللغة الإنجليزية التي أظهر فيها تفوقًا لافتًا، مشيرة إلى أن عددًا من الأطفال من ذوي التوحد يميلون إلى إتقانها بشكل أكبر.
وتوضح أن بداية دخوله المدرسة لم تكن سهلة، إذ واجه بعض التحديات المرتبطة بفرط الحركة، ما أدى إلى عدم تقبّل معلمته لسلوكه في البداية، رغم تميّزه في مواد مثل الرياضيات واللغة العربية.


وتعرب عن تقديرها لوزير التربية والتعليم الدكتور محمد بن مبارك جمعة، وعدد من الكوادر التعليمية، من بينهم الأستاذة إيمان المدني، والأستاذة عائشة السيادي، ومعلمة ابنها الأستاذة مريم إبراهيم التميمي، لما قدموه من دعم واهتمام خلال المرحلة الابتدائية، إلى جانب الدور الإيجابي لمدرسة عراد الابتدائية للبنين في المرحلة الإعدادية، التي أسهمت في تحفيزه ومساندته.


وتشير إلى أنها رفضت توصية بإلحاقه بصفوف مخصصة لذوي التوحد، إيمانًا بقدراته وإمكاناته، وهو ما انعكس لاحقًا على مستواه، حيث أصبح من الطلبة المتفوقين وتم تكريمه.
وتلفت إلى أن أبرز التحديات في البداية تمثلت في صعوبة التعبير وتركيب الجمل، وهو ما كان يسبب له إحباطًا أحيانًا، إلى جانب تأثره بكلام الآخرين، قبل أن يتمكن تدريجيًا من تجاوز هذه المرحلة وتحقيق تقدم واضح.

أم أحمد مع ابنها

من القلق إلى التقبّل.. رحلة وعي مزدوجة
وتروي نجاح الخضر، أم لبنتين من ذوات اضطراب طيف التوحد، تجربتها بهدوء يحمل كثيرًا من العمق، مؤكدة أن تقبّل الحالة يمثل الخطوة الأهم في رحلة الأسرة، سواء على المستوى الداخلي، أو في تعاملها مع المجتمع.
وتشدد على ضرورة التعامل مع الطفل بالحب غير المشروط، واحتوائه بوصفه إنسانًا كامل الحقوق، مشيرة إلى أن تقبّل الأهل ينعكس مباشرة على استقرار الطفل النفسي، فيما قد يؤدي عدم التقبّل إلى آثار سلبية تمتد إلى محيطه.


وتوضح أن الجهد المبذول في التواصل مع الطفل يثمر مع الوقت، حتى في حال غياب اللغة المنطوقة، لافتة إلى وجود وسائل بديلة فعّالة، مثل التواصل عبر الصور أو برامج التواصل البديل (AAC)، التي تساعد على تطوير المهارات تدريجيًا.


وتؤكد أن التوحد اضطراب عصبي نمائي وليس مرضًا، يبدأ اكتشافه في مراحل مبكرة، مستعرضة تجربتها مع ابنتيها، حيث لاحظت على الأولى عدم تتبع الألعاب منذ الأشهر الأولى، واقتصار اللعب على أجزاء محددة، إلى جانب فرط الحركة وضعف الاستجابة، بينما عانت الثانية من كثرة النوم والبكاء وتأخر في المهارات الحركية والإدراكية.
وتلفت إلى أن مرحلة ما بعد التشخيص تفرض تحديات كبيرة، إذ تضطر الأسر إلى الاعتماد على جهودها الذاتية في البحث والتواصل، في ظل غياب جهة موحدة توفر دعمًا شاملًا ومتكاملًا لهذه الفئة.

نجاح الخضر مع أبنائها

تشخيص مبكر.. وتحسن يصنعه الإصرار
من جانبها، تقول فاطمة جاسم، أم لطفل مصاب بالتوحد، إن ملاحظاتها الأولى بدأت في عمر سنة ونصف، حين لاحظت أن مفرداته لا تتطابق مع المتوقع لعمره، رغم امتلاكه معرفة مبكرة بالألوان والأرقام والحروف، دون أن ينعكس ذلك على قدرته على التواصل.


وتوضح أن الفحوصات الأولية أظهرت انخفاض مستوى تواصله مقارنة بأقرانه، ما استدعى سلسلة من المتابعات الطبية، قبل أن تبدأ رحلة البحث والقراءة لفهم الحالة، في وقت لم تكن فيه مصادر التوعية متوفرة بشكل كافٍ.
وتشير إلى ملاحظتها سلوكيات أخرى، مثل تقريب الأشياء من عينيه لرؤيتها، إلى جانب فرط الحركة، مؤكدة أن تدخل اختصاصية النطق شكّل نقطة تحول، حيث أسهم في تحسين مهاراته التواصلية عبر استراتيجيات فعالة.


وتبين أن ابنها خضع لجلسات تخاطب ساعدته على تحقيق تقدم ملحوظ في مهاراته اللغوية والاجتماعية، لافتة إلى أنه كان يميل للتحدث باللغة الإنجليزية أكثر من العربية.
وترى أن الخدمات المقدمة للأطفال في مثل عمره لا تزال بحاجة إلى تطوير، بما يواكب احتياجاتهم الفعلية، مؤكدة أن المتابعة المنزلية المستمرة كان لها دور كبير في تحسّن حالته.
وتختم حديثها بعبارة تختصر رحلتها قائلة: «في البداية حاولت مقاومة الفكرة.. لكنني اليوم أحمد الله على هذا التطور».

2200 حالة توحد في البحرين.. رئيس جمعية التوحديين لـ«الأيام»:

ارتفاع حالات التوحد 10­% يفرض توسيع خدمات التأهيل والدعم

كشف رئيس جمعية التوحديين البحرينية، زكريا هاشم، أن عدد المصابين باضطراب طيف التوحد في مملكة البحرين يبلغ نحو 2100 حالة، مسجّلًا ارتفاعًا بنسبة تقارب 20% خلال العام الماضي مقارنة بعام 2024، ما يعكس تزايد الحاجة إلى تطوير الخدمات المقدمة لهذه الفئة.
وأوضح في تصريح لـ«الأيام» أن الإحصاءات تشير إلى تفوّق نسبة الإصابة بين الذكور مقارنة بالإناث، إذ يُقدّر عدد الذكور بنحو 1700 حالة، مقابل نحو 500 حالة من الإناث.


وبيّن أن خدمات التأهيل تعتمد بشكل رئيس على المراكز الخاصة، في ظل عدم وجود مراكز حكومية متخصصة، مشيرًا إلى وجود أربعة مراكز مدعومة جزئيًا من الحكومة، هي: مركز الوفاء، ومركز الرشاد، ومركز عالية، ومعهد الأمل للتربية الخاصة، إذ تخصص وزارة التنمية الاجتماعية ميزانية سنوية تُقدّر بنحو مليون و200 ألف دينار لدعم هذه المراكز.
ولفت إلى أن مركز عالية يشهد قوائم انتظار طويلة تصل إلى نحو 6 سنوات، ما يعكس الحاجة الملحة إلى تعزيز خدمات التدخل المبكر وتوسيع نطاقها.

اليوم العالمي للتوحد.. فرصة لتعزيز الدمج
وأشار هاشم إلى أن الاحتفاء بالتوحد يمتد طوال شهر أبريل، فيما يحتفل العالم في الثاني من أبريل بهذه المناسبة التي أُقرت منذ عام 2007، مؤكدًا أن هذه المناسبة تمثل فرصة مهمة لتسليط الضوء على الخدمات المقدمة للأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد، وتعزيز دمجهم في المجتمع.
وأوضح أن الجانب التعليمي يحظى بأولوية من خلال التنسيق مع الجهات المختصة في وزارتي التربية والتعليم والتنمية الاجتماعية، إلى جانب الاهتمام بالجانب الصحي بوصفه ركيزة أساسية في رعاية المصابين.
وأشار إلى وجود تنسيق وتواصل مستمر مع مختلف الجهات ذات العلاقة، من بينها وزارة الصحة، وإدارة الطب النفسي، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة التنمية الاجتماعية، إلى جانب هيئة الشباب والرياضة.

157 متطوعًا.. وروح مجتمعية داعمة
وأكد أن من أبرز ما يميز مملكة البحرين هو حسّ المسؤولية لدى فئة الشباب، مشيرًا إلى وجود إقبال لافت على العمل التطوعي، إذ تضم الجمعية نحو 157 متطوعًا يعملون ضمن لجانها المختلفة.
وأوضح أن اضطراب طيف التوحد يُرجّح أن يكون له سبب جيني مرتبط بمراحل مبكرة، لافتًا إلى انتشار مفاهيم خاطئة تربطه بالحالة النفسية أو التطعيمات أو استخدام الأجهزة الإلكترونية، وهي طروحات غير دقيقة، إذ لا يوجد حتى الآن سبب محدد أو علاج شافٍ للتوحد.


تحديات التشخيص.. والحاجة إلى دعم مبكر
وعن أبرز التحديات، أوضح هاشم أن من أصعب المراحل التي تواجهها الأسر هي مرحلة التشخيص الأولى، إذ تمرّ العديد من الأسر بحالات نفسية صعبة قد تصل إلى الاكتئاب وعدم الاستقرار، إلى جانب صعوبة تقبّل الحالة في بعض الأحيان، وهو ما يستدعي توفير دعم متخصص ومبكر لهذه الفئة.
وبيّن أن الخدمات المقدمة من الجهات الحكومية والخاصة لا تزال بحاجة إلى مواكبة الأعداد المتزايدة، في ظل وجود قوائم انتظار طويلة في المراكز المدعومة.

دعوة لتوسيع نطاق الدعم
ودعا إلى توسيع نطاق الدعم الذي تقدمه وزارة التنمية الاجتماعية ليشمل عددًا أكبر من مراكز التأهيل الخاصة، والتي يتجاوز عددها 30 مركزًا في البحرين، بدلًا من اقتصار الدعم على عدد محدود، بما يسهم في تقليص قوائم الانتظار وتحسين جودة الخدمات المقدمة.

%2.6 انتشار التوحد بين أطفال ما قبل المدرسة
أخصائية تؤكد أهمية التشخيص المبكر وتدعو لتعزيز التدخل في السنوات الأولى

أشارت ثواب آل شهاب، أخصائية علاج النطق واللغة والتواصل، إلى أن أحدث دراسة ميدانية أجراها فريق من الأطباء بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة الخليج العربي، بالتعاون مع المستشفيات الحكومية وإدارة الرعاية الصحية الأولية بوزارة الصحة في عام 2025، أظهرت أن نسبة انتشار اضطراب طيف التوحد بين أطفال ما قبل المدرسة، ممن تتراوح أعمارهم بين ثلاث وست سنوات، بلغت 2.6%.


وأضافت أن هذه النسبة قد لا تعكس الصورة الكاملة، في ظل عدم إقدام بعض أولياء الأمور على إجراء التشخيص الرسمي لأطفالهم رغم وجود مؤشرات واضحة، ما يعني احتمال وجود حالات غير مشخصة.
وبيّنت أن اضطراب طيف التوحد يُعد حالة عصبية نمائية تستمر مدى الحياة، تؤثر على الإدراك والتواصل والسلوك، ويُوصف بـ«الطيف» نظرًا لتباين خصائصه من شخص لآخر، ضمن ما يُعرف بالتنوع العصبي.


وشددت آل شهاب على أن التدخل المبكر يُعد من أكثر الأساليب المثبتة علميًا في تحقيق نتائج إيجابية للأطفال؛ لما يسهم به في تطوير مهاراتهم وتعزيز قدرتهم على التفاعل والتواصل، مؤكدة أن البدء المبكر يُحدث فارقًا حقيقيًا في مسار الطفل.

المصدر: حسن منصور

 

 

الأيام
Comments (0)
Add Comment