سنابل الأمل / متابعات

تُعد رياضة الفروسية من الرياضات العلاجية لمرضى طيف التوحد، حيث إن مصاب التوحد عندما يمتطي الخيل تنشأ بينه وبين هذا الحيوان الأليف علاقة مترابطة تُسهم في صقل مهاراته وتعليمه مهارات التواصل الحسي والبصري.

وللوقوف على هذه التجربة، حاورت “عُمان” المدرب سعيد بن عيسى العبري، كاتبًا وباحثًا في عالم الخيل والفروسية، ومدربًا في التأتأة وتأخر النطق واللغة واضطراب طيف التوحد.

وقال سعيد العبري: إن الفروسية تُعد من الأنشطة التي تُسهم في تنشيط مختلف أعضاء الجسم وتحسين الدورة الدموية لدى الطفل، كما تساعد على تفريغ الطاقة بطريقة إيجابية ومنظمة، ويسهم التواصل مع الخيل وركوبها في تعزيز الشعور بالهدوء والثقة بالنفس وتحسين التركيز والانتباه، مما ينعكس إيجابًا على الحالة النفسية والسلوكية للطفل.

كما أن الانتظام في ممارسة الفروسية يساعد بعض الأطفال على تطوير مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي بشكل أفضل.

وأضاف: تتعدد المهارات التي يمكن أن يكتسبها الطفل من خلال ممارسة الفروسية، وتختلف من طفل إلى آخر بحسب قدراته واحتياجاته ومدى استجابته للبرنامج التدريبي، فلكل طفل رحلته الخاصة في التعلم والتطور.

وأبرز المهارات التي قد تُسهم الفروسية في تنميتها لدى أطفال طيف التوحد هي تحسين التوازن والتناسق الحركي، وزيادة التركيز والانتباه، وتعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، بالإضافة إلى تعلم الانضباط وتحمل المسؤولية والصبر.

كما رأى العبري، أن العلاقة بين الطفل والخيل تلعب دورًا مهمًا في تحقيق أهداف الفروسية العلاجية، ويبدأ ذلك من اختيار الخيل المناسب الذي تتوافق صفاته وطباعه مع احتياجات الطفل وقدراته.

فعندما يحدث هذا التوافق، تنشأ علاقة قائمة على الأمان والثقة والارتياح، مما يساعد الطفل على التفاعل بشكل أكبر واكتساب خبرات إيجابية جديدة. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه العلاقة أن تُسهم في تعزيز الثقة بالنفس وتحسين مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي لدى الطفل. فالخيل، عندما يتم اختياره وتدريبه بالشكل المناسب، يصبح شريكًا في العملية التأهيلية.

وأشار العبري إلى أنه لا توجد فئة عمرية محددة يمكن اعتبارها الأنسب بشكل مطلق للاستفادة من جلسات الفروسية العلاجية، حيث يمكن لمختلف الأعمار الاستفادة منها بدرجات متفاوتة.

والأهم من العمر نفسه هو تصميم برنامج علاجي يتناسب مع احتياجات وقدرات كل فئة عمرية، بحيث تُقدَّم الجلسات بشكل تدريجي ومنظم، مما يساعد على تحقيق أفضل النتائج ويجعل العملية العلاجية أكثر سهولة ووضوحًا وسلاسة.

وأضاف العبري: إن استجابة الأطفال للعلاج بالفروسية تختلف من حالة إلى أخرى، فلكل طفل شخصيته وميوله واهتماماته الخاصة. والفروسية في الأصل تُعد من الهوايات التي قد يحبها بعض الأطفال ويجدون فيها متعة وشغفًا، بينما قد لا تجذب أطفالًا آخرين.

كما نبه العبري إلى عدم إجبار الطفل على هواية أو نشاط معين، بل من الأفضل إتاحة الفرصة له لتجربة أنشطة وهوايات متنوعة حتى يتم التعرف على ميوله واهتماماته الحقيقية. وعندما تكون الفروسية من ضمن الأنشطة التي يميل إليها الطفل، يصبح من السهل دمج الأهداف العلاجية مع الهواية التي يحبها، مما يزيد من مستوى التفاعل والاستمتاع ويُسهم في تحقيق نتائج أفضل في بناء مهاراته وتطوير قدراته.

فريق واحد

قال العبري: إن التعاون بين المدرب والأخصائي النفسي الذي يشرف على الطفل من العوامل المهمة لنجاح الفروسية العلاجية وتحقيق أهدافها، فالمدرب مسؤول عن إعداد البرنامج التدريبي المناسب للطفل بما يتوافق مع احتياجاته وقدراته والأهداف المراد تحقيقها من الجلسات.

وأكد أهمية التواصل بين المدرب والأخصائي النفسي في الحالات التي يكون فيها الطفل خاضعًا لجلسات علاج نفسي أو متابعة مع أخصائي نفسي، إذ يساعد ذلك على دمج الأهداف العلاجية ضمن برنامج الفروسية، مما يجعل الجهود أكثر تكاملًا وفاعلية. مشيرًا إلى أن عملهما كفريق واحد يحقق الأهداف المطلوبة لدعم الطفل وتحقيق أعلى مستوى من التطور.

كما أشار العبري إلى أن دعم الأسرة لأطفالهم من ذوي التوحد يُعد أحد أهم عوامل نجاح أي برنامج علاجي أو تأهيلي، فالجلسات وحدها لا تكفي لتحقيق النتائج المرجوة ما لم يكن هناك تعاون ومتابعة من الأسرة. فالأسرة هي الداعم الحقيقي للطفل، وهي الشريك الأساسي في رحلة التطور والتغيير.

ويبدأ هذا الدعم من اختيار المكان المناسب والبرنامج الملائم لاحتياجات الطفل، ثم بناء الثقة بالمنظومة المتبعة والمختصين القائمين عليها، مما يمنحهم المساحة الكافية للتعامل مع الطفل وتطبيق الأساليب المناسبة لتحقيق أهداف الجلسات.

ونبه العبري إلى أنه من المهم أن تكون الأسرة على دراية بالأهداف المرجوة من البرنامج، وأن تحرص على المتابعة والاستمرارية والتواصل مع المختصين لمعرفة التقدم المحقق والتحديات الموجودة. فعندما تعمل الأسرة والمختص كفريق واحد، تكون فرص نجاح الطفل واستفادته من جلسات الفروسية أكبر، وتصبح النتائج أكثر وضوحًا واستدامة بإذن الله.

تقليل السلوكيات السلبية

واستكمل العبري حديثه حول أهمية هذه الرياضة في التقليل من بعض السلوكيات العدوانية التي يعاني منها أطفال طيف التوحد، وقال: يمكن أن تُسهم رياضة الفروسية في الحد من بعض السلوكيات العدوانية أو الانعزالية لدى بعض الأطفال عند تطبيقها ضمن برنامج مناسب ومدروس. فالخيل بطبيعته من الكائنات الاجتماعية التي تتفاعل مع من حولها، وعندما يتم توظيف هذا الجانب بشكل صحيح مع الطفل، فإنه يساعده على بناء علاقة قائمة على الثقة والتواصل والهدوء.

وأضاف: كما أن التفاعل مع الخيل والعاملين في البيئة المحيطة بها يعزز مهارات التواصل والتعاون، ويوفر للطفل فرصة للتعبير عن نفسه بطريقة إيجابية، مما قد ينعكس على سلوكه ويشجعه على الاندماج والتفاعل مع الآخرين بشكل أفضل.

تحديات وصعوبات

سرد العبري مجموعة من التحديات التي واجهت وتواجه مراكز الفروسية في تقديم برامج علاجية لذوي التوحد، منها تحديات خاصة تتمثل في ضرورة وجود كوادر مؤهلة تمتلك الوعي والمعرفة الكافية بطبيعة اضطراب التوحد وطرق التعامل معه، بالإضافة إلى فهم كيفية توظيف الفروسية كوسيلة داعمة للتأهيل. فنجاح البرنامج لا يعتمد على توفير الخيل والمكان فقط، بل يحتاج إلى إحساس عالٍ بالمسؤولية، وخطة واضحة، ورؤية تهدف إلى خدمة الطفل والأسرة وتحقيق نتائج حقيقية ومستدامة.

أما التحديات العامة فتتمثل، كما أشار إليها العبري، في عدم الاستمرارية في حضور الطفل للبرنامج، حيث إن بعض الأطفال قد يتوقفون عن التدريب لفترات ثم يعودون مرة أخرى، مما يؤثر على تسلسل البرنامج ويحد من سرعة تحقيق النتائج. فالاستمرارية والالتزام بالجلسات عنصران أساسيان للوصول إلى نتائج واضحة وملموسة على المدى البعيد.

وعندما تتوافر البرامج المتخصصة مع الالتزام والاستمرارية، تكون فرص الاستفادة وتحقيق الأهداف العلاجية أكبر بإذن الله.

معايير اختيار الخيول المناسبة

بيّن العبري أن اختيار الخيل المناسب يُعد من أهم عوامل نجاح برامج الفروسية العلاجية. فالخيول تختلف فيما بينها كما يختلف البشر في طباعهم وشخصياتهم؛ فبعض الخيول تتميز بالهدوء والصبر وسهولة التفاعل، بينما تكون خيول أخرى أكثر نشاطًا أو حساسية للمؤثرات المحيطة.

وأكد أن هذه المهمة تقع على عاتق المدرب أو مالك الخيل، من خلال اختيار الخيول التي تتمتع بطابع هادئ ومتزن وقادرة على التفاعل الإيجابي مع الأطفال من ذوي التوحد أو الفئات الأخرى المستفيدة من البرامج التأهيلية. كما تلعب السلالة والعمر دورًا مهمًا في ذلك، فبعض السلالات تُعرف بطباعها الهادئة وسهولة التعامل معها، إضافة إلى أن الخيول الأكثر نضجًا في العمر تكون غالبًا أكثر استقرارًا وخبرة في التعامل مع المواقف المختلفة.

واستكمل حديثه قائلًا: إن اختيار خيل يتمتع بالهدوء والاستقرار النفسي والقدرة على الاستجابة المناسبة يهيئ بيئة أكثر أمانًا وراحة للطفل، ويساعد على تحقيق أهداف الجلسات العلاجية بصورة أفضل. فحسن انتقاء الخيول المناسبة يُعد جزءًا أساسيًا من نجاح البرنامج ومسؤولية مباشرة تقع على المدرب والخيل.

نتائج العلاج بالفروسية

أكد العبري أنه يمكن أن نرى انعكاس نتائج الفروسية العلاجية بشكل إيجابي على مختلف جوانب حياة الطفل، سواء داخل الأسرة أو في البيئة المدرسية. فالفروسية لا تقتصر على تعلم مهارة ركوب الخيل فحسب، بل تُسهم في تعزيز التفكير، وتنمية الثقة بالنفس، وغرس أنماط سلوكية إيجابية تساعد الطفل على التعامل بشكل أفضل مع من حوله.

كما رأى العبري أن المهارات التي يكتسبها الطفل من خلال البرنامج المتخصص، مثل الانضباط والتركيز وتحمل المسؤولية والتواصل، قد تظهر آثارها في حياته اليومية وعلاقاته الأسرية وتفاعله داخل المدرسة. ومع الاستمرارية في التدريب، يمكن أن يحقق الطفل فوائد عميقة تنعكس على سلوكه واستقلاليته وقدرته على الاندماج والمشاركة بصورة أكثر إيجابية في المجتمع.

جسر التواصل

ووجّه سعيد العبري رسالته للمجتمع حول أطفال التوحد، وقال: الأطفال من ذوي التوحد جزء أصيل من المنظومة البشرية، ولهم الحق في أن تُمنح لهم الفرص التي تساعدهم على النمو والتعلم وإبراز قدراتهم. فالأنشطة الرياضية ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي جسر للتواصل وبناء الثقة بالنفس وتعزيز المشاركة المجتمعية.

وأضاف: علينا أن ننظر إلى هذه الفئة بإمكانياتها وقدراتها لا بتحدياتها فقط، وأن نتيح لها بيئات داعمة تساعدها على الاندماج والمشاركة الفاعلة في المجتمع. فكل فرصة نمنحها لهم اليوم قد تصنع فرقًا كبيرًا في مستقبلهم، وكل نور نزرعه في طريقهم سيعود أثره الإيجابي على المجتمع بأكمله.

وختم بقوله: إن دعمهم واحتواءهم ليس واجبًا إنسانيًا فحسب، بل استثمار في أفراد قادرين على العطاء متى ما وجدوا الفرصة المناسبة.

عمان اليوم

Comments (0)
Add Comment