سنابل الأمل/ خاص
بقلم الاستاذ/ محمد بن عبد الله الدعيلج
يعتقد البعض أن القرآن الكريم كتابٌ للأحكام وحدها، أو أنه لا يكاد يتحدث إلا عن الصلاة والصيام والزكاة والحلال والحرام. و آخرون يعتقدون أنه كتاب قصصٍ تاريخية، بينما يراه فريق ثالث كتابًا للمواعظ والأخلاق. والحقيقة أن القرآن أوسع أفقًا وأعمق رسالة من أن يُختزل في جانب واحد.
فولو تأملنا آياته لوجدنا أن أحكام العبادات – على جلالة قدرها – لا تشغل إلا جزءًا يسيرًا من مجموع آيات القرآن، و كذلك المعاملات التي تنظم حياة الناس في البيع والشراء، والأسرة، والمواريث، والقضاء، وغيرها. أما القصص القرآني، فقد نال مساحة أوسع؛ لأنه يخاطب القلب قبل العقل، ويجسد المبادئ في مواقف، ويجعل القيم تُرى في حياة البشر، لا في صفحات الكتب.
وتشير الدراسات الموضوعية إلى أن القصص القرآني يشغل نحو ربع القرآن أو يزيد قليلًا، بينما لا تتجاوز آيات الأحكام – عباداتٍ ومعاملات – نسبةً تقارب عُشر القرآن، والعبادات منها لا تمثل إلا نسبة يسيرة لا تتجاوز بضعة في المئة من مجموع الآيات. أما المساحة الكبرى، فهي ميدان الإيمان بالله، وتعظيمه، ومعرفة أسمائه وصفاته، والحديث عن اليوم الآخر، وتزكية النفس، وبناء الأخلاق، وترسيخ القيم، وتصحيح نظرة الإنسان إلى نفسه وربه والحياة من حوله.
وهنا تتجلى لنا حقيقة بديعة؛ فالقرآن لم يُنزَّل ليكون كتاب قوانين فحسب، ولا سجلًا للأحداث الماضية، بل نزل ليصنع الإنسان. يبدأ ببناء القلب، ثم يبني السلوك، ثم يقيم المجتمع. فإذا استقام القلب، سهلت عليه العبادة، وإذا صلحت النفس، استقامت المعاملة، وإذا رسخ الإيمان، أصبحت الأحكام ثمرةً طبيعية لذلك الإيمان.
ولعل هذا يفسر لنا سرَّ كثرة الحديث عن التوحيد، واليقين، والبعث، والجنة والنار، والصبر، والشكر، والصدق، والرحمة، والتوكل، والخشية، والإنابة. فهذه المعاني هي الجذور، أما الأحكام فهي الأغصان، ولا تزدهر الأغصان إلا إذا كانت الجذور راسخة.
ومن هنا أيضًا نفهم لماذا كرر القرآن قصص الأنبياء والأمم السابقة. فهو لا يريد أن يحفظ الناس أسماء الملوك أو تواريخ الوقائع، وإنما يريد أن يريهم كيف ينتصر الحق إذا صبر أهله، وكيف تكون عاقبة الظلم، وكيف يرفع الله أهل الإيمان، وكيف تتحول المحنة إلى منحة إذا أحسن العبد ظنه بربه.
إن قراءة القرآن بعين الباحث عن الهداية تختلف كثيرًا عن قراءته بعين الباحث عن المعلومة وحدها. فكل آية فيه تحمل رسالة، وكل قصة فيه تربي، وكل حكم فيه يصلح الحياة، وكل موعظة فيه توقظ القلب.
ولهذا كان القرآن كتاب هداية قبل كل شيء؛ هدايةٍ للعقل بالفكر، وللقلب بالإيمان، وللروح باليقين، وللسلوك بالأخلاق، وللمجتمع بالعدل. فمن قرأه بهذه النظرة الشاملة، أدرك أنه لا يجمع بين العبادات والمعاملات والقصص فحسب، بل يجمع بينها جميعًا في نسيج واحد، غايته أن يصنع إنسانًا يعرف ربه، ويعمر أرضه، ويستعد للقاء آخرته