الإبادة في غزة تُفاقم معاناة ذوي الإعاقة وتحرمهم من المأوى الآمن والمياه والمساعدات

سنابل الأمل / متابعات

 

كشف تقييم إنساني متعدد القطاعات أن الفلسطينيين ذوي الإعاقة في قطاع غزة يواجهون مستويات غير مسبوقة من الحرمان والإقصاء، في ظل نزوح شبه شامل وانهيار سبل العيش والخدمات الأساسية، محذراً من أن منظومة الاستجابة الإنسانية الحالية لا تزال عاجزة عن ضمان وصولهم المتكافئ إلى المأوى والمياه والغذاء والحماية والمساعدات.

 

وأظهر التقرير، الذي أصدرته جمعية أطفالنا للصم في تموز/ يوليو 2026، أن الأزمة التي خلّفتها حرب الإبادة الجماعية في غزة لم تعد تقتصر على نقص الاحتياجات الأساسية، بل تحولت إلى انتهاك منهجي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما حقهم في الحماية خلال حالات الخطر، والوصول إلى المرافق والخدمات، والعيش بمستوى لائق على قدم المساواة مع الآخرين.

 

واستند التقييم إلى مسح شمل 528 أسرة خلال الربعين الأول والثاني من عام 2026، كانت النساء يشكلن 52.8% من المشاركين فيه مقابل 47.2% للرجال، فيما ضمت 75% من الأسر المستطلعة فرداً واحداً على الأقل من ذوي الإعاقة. وشملت الدراسة مدينة غزة والمنطقة الوسطى وجنوب القطاع، وغطت مراكز الإيواء والمرافق العامة والمخيمات العشوائية والمنازل الخاصة المتبقية.

 

كما تضمن التقييم ست مجموعات نقاش مركزة، وخمس جلسات تشاورية شارك فيها 72 شخصاً من العاملين الإنسانيين وصناع القرار والأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب 15 مقابلة مع مقدمي الرعاية والاختصاصيين وممثلي المؤسسات والمجتمع المحلي. واعتمد الباحثون وسائل تواصل ميسرة، بينها الترجمة بلغة الإشارة، لتوثيق تجارب ذوي الإعاقات السمعية والبصرية والحركية والذهنية مباشرة، بدلاً من الاعتماد على إفادات الآخرين نيابة عنهم.

 

ووفق التقرير، نزحت 97.6% من الأسر التي شملها المسح مرة واحدة على الأقل، بينما تقيم 68.1% منها في مراكز مكتظة أو مرافق عامة ومخيمات غير رسمية لا تستوفي المعايير الإنسانية الدنيا. وأفاد 81.2% من المشاركين بانعدام الخصوصية في أماكن الإيواء، فيما أكد 76.97% أن المراكز غير مهيأة لاحتياجات الأطفال وذوي الإعاقة.

 

وسجل التقييم أن 93.9% من أماكن الإيواء تفتقر إلى الإنارة والكهرباء، الأمر الذي يحوّل المساحات المفترض أن توفر الحماية إلى بيئات تزيد فيها مخاطر العنف والاستغلال والاعتداءات، خصوصاً ضد النساء والفتيات والأطفال وذوي الإعاقة. كما وصف 88.4% من ذوي الإعاقة المأوى الذي يقيمون فيه بأنه غير آمن أو غير مناسب أو غير قابل للوصول.

 

وفي قطاع المياه والصرف الصحي والنظافة، أفادت 76.7% من الأسر بأنها لا تستطيع الوصول إلى مياه شرب آمنة، بينما تواجه 90.7% نقصاً حاداً في مستلزمات النظافة. وأكد 81.3% أن المراحيض ومرافق الاستحمام غير مهيأة لذوي الإعاقة بسبب غياب المنحدرات والمساند والمساحات المناسبة، ما يضطر كثيرين إلى الاعتماد الكامل على مقدمي الرعاية في تلبية احتياجاتهم الشخصية.

 

وأبلغ 80.2% من المشاركين عن ممارسات غير آمنة للتخلص من مياه الصرف الصحي والنفايات السائلة، بما يزيد خطر انتشار الأمراض المعدية. وحذر التقرير من أن الأشخاص محدودي الحركة أكثر عرضة لهذه المخاطر، فيما يؤدي غياب المرافق الميسرة إلى المساس باستقلالهم وخصوصيتهم وكرامتهم.

 

وبالتوازي مع انهيار الخدمات، أظهر التقييم تلاشي القدرة الاقتصادية للأسر؛ إذ قال 93.2% من المشاركين إنهم لا يملكون أي مصدر للدخل، وأفاد 82.1% بأنهم فقدوا أعمالهم مباشرة بسبب الحرب، بينما أكد 99% أن دخل أسرهم لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء وعلاج ومأوى.

 

وأشار التقرير إلى أن الأسر التي تضم أشخاصاً ذوي إعاقة تواجه أعباء إضافية مرتبطة بالعلاج والتنقل والأدوات المساعدة، في وقت تقل فيه فرص العمل المتاحة أمام أفرادها، ما يدفعها إلى الاقتراض وتقليل الوجبات واللجوء إلى وسائل تكيف سلبية قد تشمل تشغيل الأطفال أو التوقف عن شراء الأدوية.

 

وفي ملف الأمن الغذائي، قال 43% من المستطلعين إن المواد الغذائية الأساسية غير متوافرة أو يتعذر تحمل أسعارها، فيما تعجز 22.1% من الأسر عن تأمين وجبة واحدة يومياً. وأفادت 90.7% من الأسر بأنها تعتمد بصورة أساسية على المعلبات بسبب فقدان غاز الطهي والحطب والمرافق الصالحة لإعداد الطعام، بينما لاحظ 90.5% تدهوراً في صحة الأطفال.

 

ولفت التقييم إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة قد يحتاجون إلى أغذية خاصة أو مساعدة في تناول الطعام، وهي متطلبات يصعب توفيرها مع اتساع المجاعة وانهيار الإمدادات، ما يجعلهم أكثر عرضة لسوء التغذية وتفاقم أوضاعهم الصحية.

 

وكشف التقرير عن مؤشرات خطيرة في مجال حماية الأطفال والصحة النفسية؛ إذ لاحظ 87.3% من المشاركين ارتفاعاً في العنف بين الأطفال، وأبلغ 80% عن انتشار الإساءة اللفظية والتنمر، مع تأثر الأطفال ذوي الإعاقة بصورة أكبر. وقال 78.6% من مقدمي الرعاية إنهم يعجزون عن تهدئة الأطفال خلال القصف.

 

وأفاد 36.9% من المستطلعين بأنهم سمعوا عن حوادث اعتداء جنسي أو شهدوها داخل مراكز الإيواء، وهي نتيجة وصفها التقرير بأنها تستدعي استجابة فورية تضمن الحماية والإبلاغ الآمن والسرية والإحالة إلى الجهات المختصة. كما رصد أعراضاً واسعة تشمل الخوف والقلق والعزلة والسلوك العدواني واضطرابات النوم.

 

وتتضاعف الأزمة بالنسبة إلى ذوي الإعاقة نتيجة فقدان الأجهزة التي يعتمدون عليها في الحركة والتواصل؛ إذ أكد 83% عدم قدرتهم على الوصول إلى الكراسي المتحركة والسماعات وغيرها من الأدوات المساعدة خلال النزوح، وقال 86.3% إن الحواجز المادية والإجرائية تمنعهم من استخدام المرافق الأساسية بحرية، فيما رأى 88.1% أن متطلباتهم لا تؤخذ في الاعتبار داخل مراكز الإيواء.

 

وأكد التقرير أن فقدان الجهاز المساعد لا يعني خسارة قطعة مادية فحسب، بل قد يحرم الشخص من الحركة والتواصل والاستقلال، ويحوّله من فرد قادر على إدارة حياته إلى شخص يعتمد كلياً على الآخرين للبقاء.

 

ويأتي ذلك في وقت تتسع فيه أعداد ذوي الإعاقة الجدد نتيجة القصف؛ إذ أشار التقرير إلى تقديرات تفيد بأن نحو 42 ألف فلسطيني تعرضوا لإصابات غيّرت حياتهم، بينهم أكثر من خمسة آلاف خضعوا لعمليات بتر. وقدرت جمعية أطفالنا أن نحو 35 ألف طفل وبالغ قد يكونون معرضين لفقدان سمع مؤقت أو دائم نتيجة الانفجارات والإصابات والالتهابات وسوء التغذية وتعطل خدمات السمع والأنف والأذن والحنجرة.

 

وفي المقابل، تعرضت المؤسسات التي كانت توفر التأهيل والعلاج والدعم النفسي والأدوات المساعدة لدمار واسع، إذ دُمرت 20 مؤسسة مجتمع مدني بالكامل، بينما خرجت 18 مؤسسة أخرى من الخدمة بسبب الأضرار، ما أدى إلى انهيار القدرة المتخصصة في اللحظة التي ارتفع فيها الطلب عليها بصورة حادة.

 

ورغم دخول مساعدات إلى القطاع، عبر غالبية المشاركين عن عدم رضاهم عن آليات التوزيع، بسبب صعوبة الوصول إلى نقاط التسليم، وطول الطوابير، وعدم منح الأولوية للفئات الأكثر ضعفاً، وغياب التوصيل المنزلي والبدائل المناسبة لمن لا يستطيعون الحركة. وخلص التقرير إلى أن المشكلة لا تكمن دائماً في غياب الخدمة، بل في تصميمها بطريقة تجعلها غير متاحة لمن يحتاجون إليها.

 

ودعا التقييم إلى إجراء تعديلات عاجلة على مراكز الإيواء تشمل إنشاء منحدرات وممرات ميسرة، وتوفير مساحات خاصة قابلة للإغلاق وإنارة فعالة، إلى جانب إنشاء مراحيض ومرافق استحمام مهيأة وتوفير مياه آمنة وحقائب نظافة ملائمة للنساء والفتيات ذوات الإعاقة.

 

كما أوصى بتوسيع المساعدات النقدية وإضافة مخصصات تغطي التكاليف المرتبطة بالإعاقة، وتأمين أغذية حساسة للاحتياجات التغذوية ووقود آمن للطهي، وتوسيع برامج حماية الأطفال والدعم النفسي، واستعادة خدمات التأهيل وإصلاح وتوفير الأجهزة المساعدة.

 

وشدد على ضرورة إعادة تصميم توزيع المساعدات ليشمل التوصيل المنزلي ومسارات أولوية ونقاطاً ميسرة ومعلومات قابلة للوصول، مع إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة والمؤسسات الممثلة لهم في التخطيط والتنفيذ والرقابة. وطالب الجهات المانحة ووكالات الأمم المتحدة والقطاعات الإنسانية بتمويل المؤسسات المحلية المتخصصة، واعتماد بيانات مصنفة بحسب الجنس والعمر والإعاقة، وتعيين نقاط اتصال واضحة لمتابعة قضايا الدمج داخل جميع القطاعات الإنسانية.

 

وحذرت جمعية أطفالنا من أن استمرار الاستجابة بصورتها الحالية سيعمق أوجه عدم المساواة ويعرض مزيداً من الأرواح للخطر، مؤكدة أن احتياجات ذوي الإعاقة لا ينبغي التعامل معها بوصفها مساراً منفصلاً أو قضية ثانوية، بل عنصراً أساسياً في جميع برامج الإغاثة والحماية والتعافي في غزة.

 

بوابة اللاجئين الفلسطينيين 

 

 

Comments (0)
Add Comment