سنابل الأمل/ متابعات
لم تكن الحرب بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية مجرد فقدان للأمان، بل فرضت عليهم تحديات إضافية مَسَّت جوانب أساسية من حياتهم، من التعليم والعمل إلى الحصول على الخدمات الصحية والمعلومات والتنقل والتواصل مع الآخرين.
ومع توقف مؤسسات تعليمية وتدريبية، وتراجع فرص العمل، وصعوبة الوصول إلى الخدمات، وفقدان بعض الأدوات المساعدة، أصبحت تفاصيل الحياة اليومية أكثر تعقيدًا، فيما اضطر بعض الأشخاص إلى الاعتماد على أسرهم لإنجاز احتياجات كانوا قادرين على القيام بها باستقلالية أكبر قبل الحرب.
“من نور إلى ظلام”
قبل الحرب، كانت آية المدني تستفيد من الدورات التدريبية وتبحث عن فرص عمل، كما كانت تعتمد على سماعتها في متابعة تفاصيل يومها والتواصل مع محيطها.
لكن الحرب أوقفت فرصًا كثيرة أمامها، وغيّرت قدرتها على الوصول إلى الخدمات. تقول آية إن غياب لغة الإشارة في بعض الأماكن، ومنها المؤسسات الصحية، جعلها تضطر أحيانًا إلى اصطحاب والدتها أو شقيقتها للتواصل مع الآخرين، واصفة شعورها في بداية الحرب بأنها أصبحت “من نور إلى ظلام”.
وتعطلت سماعتها خلال الحرب، ولم تتمكن من الحصول على بديل، كما أصبحت بطارياتها شحيحة ومرتفعة الثمن حيث يصل ثمن البطارية إلى 35 شيكل. وبسبب ذلك، تضطر إلى استخدامها عند الضرورة فقط، وأحيانًا إلى الاعتماد على شخص يرافقها حتى تتمكن من التواصل.
وتؤكد المدني أن الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية يمتلكون الخبرات والمواهب، مطالبة المؤسسات الدولية والمحلية والقطاع الخاص بتوفير فرص عمل حقيقية ودمجهم داخل المؤسسات، وتطبيق حقهم في التوظيف بنسبة 5% وفق ما ينص عليه القانون الفلسطيني، وفتح المجال أمامهم لإثبات قدراتهم.
التعليم والاستقلالية تحت الضغط
أما إبراهيم أبو شلوف، فيرى أن التعليم من أكثر المجالات التي تأثرت بالحرب؛ إذ توقف التعليم الجامعي للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، ولم يتمكن عدد منهم من الالتحاق بالمرحلتين الثانوية والجامعية، ما أدى إلى اتساع الفجوة بينهم وبين أقرانهم.
كما يواجه صعوبة في الوصول إلى المعلومات، فيعتمد على مجموعات “واتساب” و”تلغرام”، وقد يحتاج إلى أحد أفراد أسرته لمساعدته على فهمها.
وأصبح التنقل أيضًا أكثر صعوبة، بعدما تحولت مخاوف أسرته عليه إلى عائق أمام خروجه، خصوصًا مع صعوبة التواصل معه في حال حدوث طارئ.
ويطالب إبراهيم المؤسسات بتوفير خدمات التواصل بلغة الإشارة، وزيادة أعداد مترجمي لغة الإشارة، وضمان أبسط حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، إلى جانب توفير فرص للتوظيف والتطوع.
“الفجوة كبيرة جدًا”
ومن خلال تواصلها المباشر مع الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، تقول داليا أبو غفرة، وهي مترجمة لغة إشارة، إن الحرب زادت صعوبة وصولهم إلى حقوقهم الأساسية، خاصة في التعليم والصحة والخدمات المختلفة.
وتشير إلى أن النزوح وتراجع فرص العمل وصعوبة توفير الاحتياجات اليومية تسبب لدى بعض الأشخاص في العزلة والضغوط النفسية، بينما بقي التعليم من أبرز الفجوات، إلى جانب صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية في ظل عدم مواءمة بعض المراكز الطبية بلغة الإشارة.
وترى داليا أن الحل يبدأ بتوفير مواءمة شاملة بلغة الإشارة تضمن الوصول إلى المعلومات والخدمات، إلى جانب إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية في صنع القرارات وتصميم الخدمات، لأنهم الأقدر على تحديد احتياجاتهم.
تكشف تجارب آية وإبراهيم، وشهادة داليا، أن الحرب لم تبدأ جميع المشكلات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية، لكنها عمّقت آثارها وجعلت الوصول إلى الحقوق والخدمات أكثر صعوبة.
فقدان آية لسماعتها أثّر في استقلاليتها، وتوقف التعليم بالنسبة لإبراهيم عمّق الفجوة مع أقرانه، بينما تكشف شهادة داليا عن فجوات أوسع في التعليم والصحة والوصول إلى المعلومات.
وفي النهاية، لا يطالب الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية بامتيازات خاصة، بل بحقهم في الوصول إلى التعليم والصحة والعمل والمعلومات، وبخدمات تراعي احتياجاتهم وتمنحهم فرصة ممارسة حياتهم باستقلالية.
ففي زمن الحرب، لا ينبغي أن تتحول الإعاقة إلى حاجز إضافي أمام حق أساسي في الحياة.