حواجز العمران وشح التمويل: لماذا يتعثر حق ذوي الإعاقة في التنقل؟

سنابل الأمل/ متابعات

في الوقت الذي تصطدم فيه طموحات الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان بأدنى مقومات التنقل والوصول، تبرز أزمة “النقل الدامج” كواحدة من أعقد القضايا التي تعكس فجوة عميقة بين التشريعات النظرية والواقع الميداني المأزوم. فبينما ينص القانون رقم 220/2000 على حق الإتاحة لدمج هذه الفئة، لا تزال هذه النصوص حبيسة الأدراج، مما يحول التنقل من “حق أساسي” إلى “تحدٍ يومي” مكلف، ويجعل حرية التنقل امتيازاً لفئة على حساب أخرى.

 

فجوة بين التنظير والتطبيق

يرى الخبير في شؤون النقل، الأستاذ شادي فرج (عضو مؤسس في جمعية حقوق الركاب)، أن الأزمة لا تكمن في نقص النصوص القانونية، بل في غياب “المعايير الهندسية والتشغيلية الموحدة”. ويشير فرج إلى أن العديد من المحطات التي نُفذت مؤخراً تفتقر لتقنيات “الوصول الشامل”، مثل مسارات “برايل” أو المنحدرات ذات الميول الهندسية الصحيحة، محذراً من أن المشاريع غالباً ما تُنفذ لأهداف “ترويجية” لا خدمية فيسقط من الحساب ذوى الإعاقة لتكون المحطة بذلك حماية من الشتاء فقط لا تراعي هذه الفئة. هذا الرأي يتقاطع مع رؤية الأستاذ شادي نشابة ، العضو السابق في بلدية طرابلس ، الذي يؤكد أن معالجة هذه القضية تتطلب منظومة متكاملة؛ فلا فائدة من حافلة دامجة إذا كانت الأرصفة غير مؤهلة أو محتلة بالتعديات، مما يفرض “عزلة قسرية”. ويدعو نشابة إلى ضرورة وجود “مخطط استراتيجي” يدمج احتياجات ذوي الإعاقة في صلب السياسات العمرانية، بعيداً عن الحلول الترقيعية.

 

مبادرات المجتمع المدني: بين “الخبرة” و”الأصول الميتة”

في طرابلس، توضح السيدة رندة عبدو، مديرة “المنتدى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة”، أن الجمعيات تمتلك الخبرة التقنية لتحويل الحافلات الى دامجة وهو امر تتولاه الجمعية، لكنها تصطدم بـ “غياب التمويل المستدام”، مما يحول الاستثمارات إلى “أصول ميتة” بمرور الوقت لعدم قدرة الجمعيات على تحمل تكاليف الصيانة. ويؤكد الأستاذ طه ميقاتي مدير جمعية “عمران” أن الاعتماد على استيراد حافلات مستعملة وتجهيزها محلياً يظل حلاً قاصراً وباهظ التكلفة على الممول الذي مهما كان مشروعه تكون فكرة المشروع أساسية والتمويل يذهب اليها ولنقص التمويل المنخفض جدا للجمعيات في هذه الفترة يسقط حق الفئة المهمشة المنتجة، ولا يضمن دائماً المطابقة للمعايير الدولية، مشدداً على أن غياب “سياسة توريد وطنية” يجعل من المبادرات الفردية هشة في مواجهة الاحتياجات الضخمة. فيخبر انه عندما أراد وضع حافلة للنقل المشترك في سوق طرابلس عرض المشروع على الممول الذي كان يستهدف البلديات. الا ان تكلفة التجهيز العالية اسقطته من الاجندة.

تجربة UNDP: الفارق بين “المبادرة” و”السياسة”

في مقابل الحلول المبعثرة، برزت مبادرة “أنظمة النقل المستدامة” التي نفذها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بتمويل من صندوق البيئة العالمية (GEF). فبميزانية 1.6 مليون دولار، لم توفر المبادرة الحافلات فحسب، بل أمنت “سلسلة الإتاحة” عبر تأهيل 9 محطات (بين جبيل وبيروت). هذه التجربة تُعد نموذجاً استثمارياً يربط بين التنمية المستدامة والعدالة في حق التنقل، وتثبت أن تخصيص ميزانية واضحة في “دفتر شروط التوريد” منذ البداية هو السبيل الوحيد للخروج من مأزق الحلول الفردية.

في هذا السياق، يقدم الأستاذ زياد شيا المدير العام للمؤسسة العامة لسكك الحديد والنقل المشترك رؤية مؤسساتية استراتيجية، مؤكداً أن النقل الدامج لا يتحقق إلا عبر “سلسلة إتاحة” متصلة. يرى شيا أن الحافلة المجهزة لا قيمة لها ما لم تكن المحطة والرصيف المحيط بها مهيأين، مشدداً على ضرورة فرض “مواصفات الدمج الشامل” كشرط أساسي في دفاتر شروط توريد أي أسطول نقل جديد. ويرى شيا أن الحل يكمن في سياسة وطنية تربط صلاحيات المؤسسة بقرارات البلديات لتهيئة البنى التحتية، معتبراً أن استدامة الخدمة لا تتم إلا عبر “عقد تشغيلي” يدمج ذوي الإعاقة في صلب المخطط التوجيهي الوطني للنقل، وليس كخدمة تكميلية. وفي المقابل، أشار مصدر مسؤول في بلدية طرابلس إلى أن النقص الحاد في الجباية والموارد المالية هو العائق الأبرز أمام تنفيذ هذه الاستراتيجيات، مما يضطر البلدية لحصر إنفاقها في النفقات التشغيلية الضرورية فقط.

خارطة الطريق نحو التغيير

يتطلب الخروج من هذا المأزق تبني مقاربة تشاركية شاملة؛ تبدأ من دور البلديات في اعتماد “بروتوكول الوصول الشامل” في كافة رخص البناء والإنشاءات العامة وتفعيل لجان استشارية للدمج، وصولاً إلى شراكة استراتيجية مع الجمعيات الأهلية التي يمكنها الاضطلاع بدور “المشغل الميداني” و”الوحدة الاستشارية” لضمان الامتثال للمعايير التقنية. كما يبرز التكامل التنموي كضرورة ملحة عبر إنشاء صندوق وطني للنقل الدامج يمول من مساهمات القطاعين العام والخاص، مع تفعيل صارم للضبط البلدي ضد التعديات العمرانية، وذلك لضمان تحويل المبادرات من جهود مبعثرة إلى استراتيجية وطنية مستدامة.

اذا “الإرادة السياسية” هي حجر الزاوية. إن الانتقال من مرحلة “الشعارات والمشاريع الترويجية” إلى مرحلة “السياسات الوطنية” ليس ترفاً، بل هو اختبار لمدى احترام الدولة لحقوق الإنسان. وبدون “عقد اجتماعي جديد” يفرض التصميم الشامل، ستظل طرابلس النموذج المصغر وبقية المناطق اللبنانية تعاني من إقصاء ممنهج؛ فالمقياس الحقيقي لتقدم المدينة ليس في عدد شوارعها، بل في قدرة أكثر مواطنيها احتياجاً على عبور هذه الشوارع بكرامة واستقلالية، لتتحول من مدينة تقيدها العوائق إلى مختبر وطني للعدالة العمرانية والمواطنة الدامجة ومنتجة.

التنقل؟حواجز العمران وشح التموي:يتعثر حق ذوي الإعاقة
Comments (0)
Add Comment