أطفال التوحد في مواجهة المفاهيم الخاطئة.. كيف تؤثر نظرة المجتمع في حياتهم؟

سنابل الأمل/ متابعات

يواجه الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد وأسرهم تحديات تتجاوز الصعوبات المرتبطة بالتواصل والتفاعل الاجتماعي، لتشمل المفاهيم الخاطئة والنظرات السلبية التي قد تؤثر في شعورهم بالأمان وفرص اندماجهم في المجتمع، ولا سيما عندما تُفسر سلوكياتهم المرتبطة بطبيعة الاضطراب على أنها عناد أو سوء تربية.
ويُصنف اضطراب طيف التوحد على أنه اضطراب نمائي عصبي يظهر في مراحل الطفولة المبكرة، ويؤثر في مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، وقد ترافقه سلوكيات نمطية واهتمامات مقيدة واختلافات في الاستجابة للمثيرات الحسية.

وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أوضح الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة أن تصحيح المفاهيم الخاطئة حول التوحد يمثل خطوة أساسية في دعم الأطفال وأسرهم، مؤكداً أن التقبل المجتمعي والتدخل المبكر وتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمختصين عوامل مهمة لتعزيز فرص التأهيل والاندماج.

مفاهيم خاطئة تزيد معاناة الأسر

قال جمعة إن بعض أفراد المجتمع ما زالوا يربطون التوحد بالبرود العاطفي للأم أو إهمال الوالدين، رغم أن هذه النظرية النفسية القديمة دُحضت علمياً، وأن التوحد اضطراب نمائي عصبي لا ينتج عن أساليب التنشئة.

وأشار إلى اعتقاد خاطئ آخر يتمثل في أن جميع الأطفال المصابين بالتوحد يمتلكون قدرات استثنائية أو عبقرية، موضحاً أن هذه القدرات تظهر لدى نسبة محدودة، فيما قد يعاني آخرون من إعاقات ذهنية متفاوتة أو تأخر في بعض القدرات.

وأضاف أن تجنب الطفل التواصل البصري أو ميله إلى العزلة لا يعني افتقاره إلى المشاعر أو عدم ارتباطه بأسرته، إذ يستطيع التعرف إلى أفراد عائلته والتفاعل معهم بطرق قد تختلف عن الأنماط المعتادة.

وبيّن أن هذه المعتقدات تؤدي أحياناً إلى تحميل الأسرة مسؤولية الاضطراب، وتعزيز شعورها بالذنب، وتأخير التدخل المبكر، أو دفعها نحو البحث عن علاجات وهمية لا تستند إلى أسس علمية.

وأكد أن تصحيح المفاهيم المجتمعية يمثل، من وجهة نظره، تدخلاً نفسياً أولياً يساعد الأسرة على تقبل حالة طفلها، ويخفف الأعباء النفسية عنها، ويمهد للبدء بخطوات التأهيل المناسبة.

سلوكيات حسية واجتماعية يساء تفسيرها

أوضح جمعة أن بعض الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد يواجهون صعوبات في التواصل البصري وفهم الإشارات غير اللفظية وتعابير الوجه، ما قد يؤثر في قدرتهم على تفسير المواقف الاجتماعية والتفاعل معها.

وأشار إلى أن الانزعاج من الأصوات يرتبط لدى بعض الأطفال باختلافات في معالجة المدخلات الحسية، إذ قد تكون أصوات عادية بالنسبة إلى الآخرين شديدة الإزعاج أو مؤلمة للطفل، فيستجيب لها بالصراخ أو تغطية أذنيه.

وأضاف أن المحيطين بالطفل قد يفسرون تجنب النظر على أنه تجاهل أو عناد، بينما ينظرون إلى الانزعاج من الأصوات بوصفه دلالاً أو سوء سلوك، نتيجة عدم فهمهم لطبيعة الاضطراب.

وبيّن أن الجهاز العصبي لدى الطفل قد يواجه صعوبة في التعامل مع كثافة المثيرات المحيطة، ما يجعل بعض الاستجابات السلوكية مرتبطة بالإرهاق الحسي، وليس بالرغبة المتعمدة في مخالفة التعليمات.

وشدد على أن التعامل الصحيح مع هذه الحالات يتطلب فهم التجربة الحسية للطفل وتجنب العقاب على سلوكيات ناتجة عن صعوبات لا يستطيع التحكم بها بسهولة.

النظرة السلبية تعزز العزلة الاجتماعية

لفت جمعة إلى أن الأطفال ذوي التوحد قد يواجهون صعوبات في فهم مشاعر الآخرين وتفسيرها، فيما يمكن أن تؤدي البيئات الضاغطة والنظرات السلبية إلى زيادة القلق والتوتر والاستجابات الانفعالية لديهم.

وأوضح أن التأثير الأكبر قد يقع على الأسرة، التي تلجأ أحياناً إلى تقليل خروجها ومشاركتها في الأنشطة الاجتماعية تجنباً للإحراج أو التعليقات السلبية.

وأشار إلى أن هذه العزلة تحرم الطفل من فرص مهمة للتفاعل مع أقرانه، وممارسة المهارات الاجتماعية التي يتعلمها خلال جلسات التأهيل، وتطبيقها في مواقف الحياة اليومية.

وأكد أن النظرة المجتمعية السلبية قد تشكل عائقاً أمام برامج التدخل النفسي والسلوكي، مستشهداً بحالات تدفع فيها تعليقات أو نظرات استهجان في الأماكن العامة بعض الأسر إلى الانسحاب وتجنب تكرار التجربة.

وبيّن أن شعور الأسرة بالدعم والاحتواء المجتمعي ينعكس على استقرارها النفسي والانفعالي، ويساعدها على توفير بيئة أكثر هدوءاً وأماناً للطفل.

تحديات اصطحاب الأطفال إلى الأماكن العامة

أوضح جمعة أن خروج الطفل ذي التوحد إلى الأماكن العامة قد يرافقه عدد من الصعوبات، أبرزها مقاومة تغيير الروتين المعتاد، والانتقال إلى بيئات جديدة مزدحمة بالأصوات والأضواء والمثيرات الحسية.

وأضاف أن بعض الأطفال قد يستجيبون لهذه الظروف بالصراخ أو الانفعال، أو يظهرون سلوكيات نمطية مثل رفرفة اليدين والدوران، فيما قد يندفع آخرون دون إدراك كافٍ للمخاطر، ما يتطلب مراقبة مستمرة من الأهل.

وأشار إلى أن هذه التحديات تتضاعف عندما تواجه الأسرة نظرات الاستغراب أو الشفقة، أو تتلقى تعليقات تتضمن اللوم والانتقاد من أشخاص لا يدركون طبيعة الاضطراب.

وأكد أن اصطحاب الطفل إلى مكان عام قد يمثل جزءاً من تدريبه على التفاعل مع البيئة المحيطة، لكنه يتطلب جهداً كبيراً من الأسرة، خصوصاً مع القلق المسبق من ردود أفعال الآخرين.

ودعا إلى تعزيز الوعي بطبيعة التوحد، وتوفير بيئات أكثر مرونة في المرافق العامة، بما يخفف الضغط الحسي عن الأطفال.

ولفت إلى أن تفهم المحيطين وتجنب الأحكام المسبقة والتدخلات غير المطلوبة يمكن أن يمنح الأسرة مساحة أكبر للتعامل مع طفلها بهدوء، ويخفف عنها الضغوط النفسية المصاحبة للخروج والمشاركة الاجتماعية.

الأسرة والمدرسة ودورهما في التأهيل والدمج

أكد جمعة أن الأسرة تؤدي دوراً أساسياً في دعم الطفل من خلال تقبل حالته، والبدء المبكر في برامج التدخل، وتجنب عزله عن محيطه الاجتماعي.

وأشار إلى أهمية مشاركة الأهل في تنفيذ الخطة التربوية الفردية، واستخدام وسائل التواصل المعززة والبديلة عند الحاجة، بما يساعد الطفل على تنظيم أنشطته اليومية واكتساب المهارات وتطبيقها خارج جلسات التأهيل.

أما المدرسة، فأوضح أن دورها يتمثل في توفير برامج دمج مناسبة، وتدريب الطلاب الآخرين على التفاعل الإيجابي مع أقرانهم ذوي التوحد، وتشجيع التواصل والمشاركة في الأنشطة التعليمية والاجتماعية.

وأضاف أن تنظيم البيئة الصفية باستخدام الوسائل البصرية والجداول الواضحة يساعد على تخفيف التشتت، ويجعل الأنشطة اليومية أكثر قابلية للتوقع بالنسبة إلى الطفل.

وشدد على أهمية التنسيق المستمر بين الأسرة والمدرسة والمختصين لضمان تكامل الخطط التربوية والتأهيلية، وعدم اقتصار المهارات المكتسبة على جلسات التدريب وحدها.

الإعلام وتصحيح الصورة النمطية عن التوحد

أشار جمعة إلى أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية مهمة في نشر المعلومات الصحيحة حول اضطراب طيف التوحد، وتصحيح التصورات المرتبطة بأسبابه وسلوكيات الأطفال المصابين به.

ودعا إلى الابتعاد عن حصر صورة التوحد في نماذج العبقرية والقدرات الاستثنائية، والتركيز على تنوع احتياجات الأطفال وقدراتهم، وأهمية توفير خدمات التأهيل الشامل.

وأوضح أن جهود المختصين والأسرة والمدرسة تحتاج إلى بيئة مجتمعية داعمة، تسهم وسائل الإعلام في بنائها من خلال التوعية وتقديم صورة واقعية عن الاضطراب.

وبيّن أن المختصين يتولون وضع الخطط التأهيلية وتدريب الأسرة عليها، فيما تتولى الأسرة تطبيقها في المنزل، وتوفر المدرسة فرص التفاعل والتعلم، بينما يساعد الإعلام في تعزيز الوعي المجتمعي بهذه الجهود.

وأكد أن تكامل هذه الأدوار يسهم في تحسين الصحة النفسية للأطفال، وتعزيز فرص مشاركتهم في الحياة اليومية.

تقبل الطفل أساس التدخل المبكر

شدد جمعة على أن فهم اضطراب طيف التوحد لا يقتصر على المعرفة الطبية، وإنما يتطلب ممارسات يومية تراعي احتياجات الأطفال العصبية والحسية والاجتماعية.

وأوضح أن تقبل الأسرة لطفلها يمثل الخطوة الأولى نحو التعامل الصحيح مع احتياجاته، مشيراً إلى أن الإنكار أو المبالغة في الحماية أو الإهمال قد تؤخر الاستفادة من برامج التدخل المبكر.

وبيّن أن خدمات التأهيل قد تشمل التدخلات السلوكية والعلاج الوظيفي والتعليم الخاص، وفق احتياجات كل طفل وقدراته.

وأكد أن التقبل يساعد الأسرة على اكتشاف قدرات الطفل والعمل على تطويرها، ودعمه لاكتساب المهارات التي تعزز استقلاليته ومشاركته في المجتمع.

واختتم حديثه لشبكة شام الإخبارية بالتأكيد على أهمية احتضان الأطفال وتقبل اختلافاتهم، قائلاً: «احتضنوا أطفالكم، وتقبلوهم، فمن هنا يبدأ النجاح».

وتبقى مساندة الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد مرتبطة بتعاون الأسرة والمدرسة والمختصين والمجتمع، بدءاً من تصحيح المفاهيم الخاطئة وفهم احتياجات الطفل، وصولاً إلى توفير فرص التأهيل والتعلم والتفاعل الاجتماعي التي تدعم نموه ومشاركته في الحياة اليومية.

أطفال التوحدفي حياتهم؟كيف تؤثر نظرة المجتمعمواجهة المفاهيم الخاطئة
Comments (0)
Add Comment