فهم أطفال التوحّد.. الخطوة الأولى قبل كل علاج

0 6

سنابل الأمل / متابعات

يعيش أطفال التوحّد في عالم مختلف، لا يقوم على الانعزال بقدر ما يقوم على اختلاف طريقة إدراكهم للحياة والتواصل مع محيطهم. ومع تطوّر الأبحاث واتساع وعي المجتمع باضطراب طيف التوحّد، بات واضحًا أن الخطوة الأولى لدعم هؤلاء الأطفال ليست العلاج، بل الفهم… ثم الفهم؛ لأن إدراك احتياجاتهم وطرق تفاعلهم يُعدّ المفتاح لأي خطة علاجية أو تربوية ناجحة.

 

وتوضح الدكتورة نريمان تريعة، المختصة في الأرطوفونيا، أن لا طفلين متشابهين ضمن طيف التوحّد؛ فلكل طفل قدراته وسلوكياته ونسب تفاعله الاجتماعي المختلفة، ما يجعل من المستحيل تطبيق منهج واحد مع الجميع. فالنجاح، كما تقول، يعتمد على دراسة شخصية الطفل وكيفية استجابته للمؤثرات.

 

وتبرز حالات ميدانية هذا الاختلاف، مثل طفل اسمه آدم يستطيع حفظ الأرقام بسرعة مذهلة لكنه يجد صعوبة في التواصل البصري، بينما ليان تتفاعل بسهولة مع الآخرين لكنها تتحسس من الأصوات المرتفعة. لكل واحد منهما احتياجات مختلفة، ما يجعل الفهم ضرورة قبل أي تدخل.

 

وتشير المختصة إلى أن السلوكيات ليست عنادًا، بل طريقة تعبير. فما قد يبدو “رفضًا” أو “مشاغبة” هو في الحقيقة استجابة للانزعاج أو عدم الفهم أو الإرهاق الحسي. فحين يصرخ طفل داخل مركز تجاري مزدحم، لا يعني ذلك أن الأمر سوء سلوك، بل إن الأضواء القوية والضوضاء قد تُشكل ضغطًا حسيًا يفوق قدرته على الاحتمال.

 

وتُعد البيئة الداعمة نصف العلاج؛ إذ تُعتبر تهيئة المحيط من أهم أسس التعامل مع أطفال التوحّد. فالهدوء، والروتين، ووضوح التعليمات، واعتماد الوسائل البصرية عناصر تساهم في تخفيف التوتر وتمكين الطفل من التعلم.

 

أما التحديات اليومية التي يواجهها أطفال التوحّد فعديدة، من بينها صعوبة التواصل اللفظي، حيث يتأخر بعضهم في الكلام بينما يتحدث آخرون بطريقة حرفية أو دون فهم للمعاني العاطفية. كما يعاني البعض من فرط أو نقص الحساسية الحسية، فينزعجون من أصوات خافتة أو يحتاجون إلى ضغط جسدي ليشعروا بالأمان. وتبرز أيضًا صعوبات في اللعب والتفاعل، حيث يفضّلون الألعاب الفردية أو ألعاب الترتيب بدل اللعب الجماعي. ويبقى الاندماج المدرسي تحديًا آخر، رغم وجود أقسام خاصة ومدمجة، مما يستلزم وعيًا أكبر من المعلمين وزملاء الصف بخصوصيات كل طفل.

 

وتشير الدكتورة نريمان إلى وجود أساليب حديثة في العلاج، أبرزها التحليل السلوكي التطبيقي (ABA) المعتمد عالميًا، والعلاج باللعب الذي يساعد الطفل على التواصل بطريقة غير مباشرة، إضافة إلى التكامل الحسي الذي يعالج اضطرابات الحساسية عبر تمارين مدروسة. كما يُعد دعم الوالدين وتدريبهم جزءًا أساسيًا من نجاح أي خطة علاجية، باعتبارهما الأقرب إلى الطفل والأكثر فهمًا له.

 

وتؤكد المختصة في الختام أن أطفال التوحّد ليسوا أقل قدرة، بل يختلفون فقط في طريقة تواصلهم مع العالم. ومع زيادة الوعي والتفهّم، يمكنهم أن يتعلموا، يبدعوا، ويعيشوا حياة كريمة. فالفهم الحقيقي لاحتياجاتهم هو بوابة الأمل، وهو العلاج الأول قبل أي علاج آخر.

 

جمعية سند لأطفال التوحد.. نموذج رائد في التكفل بالأطفال ودعم قدراتهم

 

من الجنوب الغربي للجزائر، تبرز جمعية سند لأطفال التوحد والصعوبات الذهنية كجمعية ذات طابع اجتماعي، تربوي، صحي وتضامني. وتسعى الجمعية إلى الارتقاء بمستوى التكفل بالأطفال ذوي التوحد والصعوبات الذهنية، مع الحفاظ على المبادئ والقيم الوطنية، وتوفير بيئة آمنة وداعمة تساهم في تنمية قدراتهم ومهاراتهم.

 

تركز الجمعية على استقبال الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وبالأخص فئات اضطراب طيف التوحد، الصعوبات الذهنية، وصعوبات التعلم. وتشمل نشاطاتها التكفل بهم ومرافقتهم وفق القوانين المعمول بها، وضمان تقديم رعاية نفسية وتعليمية شاملة تلبي احتياجاتهم الخاصة.

 

تُدار الجمعية من طرف مختصين يشرفون على العملية اليومية للأطفال من سن 3 سنوات فما فوق، ويضم فريق العمل أخصائيين أرطوفونيين، نفسانيين، ومربيات أطفال متدربات في مجال التوحد والصعوبات التعليمية، ويتمتعون بخبرة واسعة. ويشرف على القسم طبيب مختص في الصحة العقلية للأطفال (Pedopsychiatrist).

 

تسير الجمعية لجنة تنفيذية برئاسة رئيس الجمعية، فيما يدير القسم البيداغوجي مسؤول مختص في علم الاجتماع وعلم النفس، بالتعاون مع الأخصائيين والمربيات، لضمان تقديم خدمات تعليمية ونفسية متكاملة.

 

تستهدف الجمعية الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، الصعوبات الذهنية، وصعوبات التعلم، بعد تشخيصهم وتوجيههم بشهادة طبية صادرة عن طبيب مختص، مع متابعة نفسية وأرطوفونية دقيقة. وتشمل عملية التكفل متابعة الأطفال يوميًا في الأقسام الخاصة، والعمل على تحسين أوضاعهم التعليمية والنفسية والاجتماعية، وتخفيف الأعباء عن أولياء الأمور، مع تقديم كافة الخدمات الضرورية لدعم الأطفال وتطوير مهاراتهم في بيئة آمنة ومحفزة.

 

علامي بوجمعة للجنوب الكبير: “فئة التوحد تتطلع لدعم شامل”

 

أكد علامي بوجمعة، رئيس جمعية سند لأطفال التوحد والصعوبات الذهنية، في تصريح لجريدة “الجنوب الكبير”، أن فئة التوحد تتطلب عناية خاصة نظرًا لخصوصيتها وحساسيتها ضمن المجتمع. وأوضح أن الجمعية وضعت برنامجًا بيداغوجيًا متخصصًا لهذه الفئة، يتضمن حصصًا من تأطير مختصين ومربين اجتماعيين وأرطوفونيين، مع ملاحظة دقيقة لكل طفل على حدة. ويشترط في المؤطرين الحصول على شهادات جامعية في المجال، مع تنظيم دورات تكوينية وورشات تدريبية يقدمها أساتذة مختصون.

 

وأشار بوجمعة إلى أن الأطفال المصابين بالتوحد يواجهون تحديات كبيرة، خاصة في الجنوب الجزائري، منها صعوبة التنقل إلى مراكز التكفل المتخصصة. وفي هذا الإطار، استفادت الجمعية مؤخرًا من حافلة لنقل الأطفال مجانًا، لكنها أكدت أن الحاجة لا تزال ملحة لتوفير المزيد من الوسائل والدعم لهذه الفئة.

 

وشدد المتحدث على نقص الأطباء المتخصصين، خصوصًا أطباء الصحة العقلية للأطفال والمراهقين، مشيرًا إلى أن ولاية أدرار لا تتوفر فيها أي طبيب متخصص، بينما تضم بلدية رقان وحدها 175 طفلًا يستحقون العلاج والمتابعة. وأكد على ضرورة إيفاد أطباء متخصصين لتغطية هذه الاحتياجات الأساسية.

 

كما أشار بوجمعة إلى الحاجة الملحة لمقرات متخصصة لهذه الفئة، معتبرًا أن المقر الحالي للجمعية لا يكفي لتوفير بيئة مناسبة للتنشط البيداغوجي والتكفل الأمثل بالأطفال، داعيًا الجهات المعنية إلى دعم الجمعية وهذه الفئة من المجتمع لضمان تقديم خدمات أفضل لهذه الفئة الحساسة.

 

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق