بعد 12 سنة من الفراغ الإحصائي.. بحث وطني حول الإعاقة لتحويل المعطيات إلى حقوق 21/01/2026

0 5

سنابل الأمل / متابعات

جرى، اليوم الأربعاء 21 يناير 2025، إطلاق البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، بعد مرور 12 سنة على آخر تشخيص شامل أنجز سنة 2014، في ظل تحولات ديمغرافية واجتماعية ومجالية عميقة عرفها المغرب خلال العقد الأخير، وهو ما يجعل من المعنيين يعقدون آمالا كبيرة.

وسيمكن هذا البحث، بحسب المتدخلين، من قياس نسب انتشار الإعاقة على المستويين الوطني والجهوي، وتحديد الأبعاد الكمية والنوعية لوضعيات الإعاقة وتجلياتها المختلفة، وتقييم مدى ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى خدمات الصحة والتعليم والتكوين والتشغيل والحماية الاجتماعية، فضلا عن توفير قاعدة مرجعية لتقويم البرامج والسياسات العمومية.

 

مذكرة تفاهم لتوحيد الرؤية والمنهج

 

تميز اللقاء بتوقيع مذكرة تفاهم جمعت وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، وكتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي، والمندوبية السامية للتخطيط، والمرصد الوطني للتنمية البشرية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، بهدف تحديد الإطار العام للتعاون المؤسساتي من أجل إنجاز البحث الوطني الثالث، وضمان تنسيق الجهود وتوحيد المنهجيات والمعايير العلمية المعتمدة.

 

ويراهن هذا البحث على بناء قاعدة جديدة من المعطيات الإحصائية الكمية والنوعية حول انتشار الإعاقة بالمغرب، وتصنيف أنواعها، ورصد الحاجيات الحقيقية للأشخاص في وضعية إعاقة، بما يتجاوز منطق الأرقام المجردة نحو فهم معمق للعوائق البنيوية التي تحد من الولوج إلى الحقوق والخدمات.

 

وفي هذا الإطار، أكد أطراف الاتفاقية أن الوقت قد حان لتحيين الأرقام الرسمية المتعلقة بوضعية الإعاقة بالمغرب، ووضع خرائط جهوية دقيقة تُعتمد في إعداد مخططات التنمية الجهوية، بما يعزز العدالة المجالية ويحد من التفاوتات الترابية.

 

كما شددوا على أن البحث يشكل أداة استراتيجية لدعم اتخاذ القرار العمومي، على أن يتم تقاسم نتائجه بشكل واسع ومنهجي قصد استثمارها في مختلف المخططات والبرامج.

 

أرقام رسمية تكشف التحولات والتفاوتات

شدد المندوب السامي للتخطيط، شكيب بنموسى، على أن الرهانات التنموية المرتبطة بتنفيذ السياسات العمومية تفرض الاعتماد على معطيات محينة وموثوقة، مؤكدا أن البحث الوطني الثالث يندرج في صلب التوجهات الكبرى والتوجيهات الملكية.

 

وأضاف أن هذا الورش يعكس التزام المغرب بتعهداته الدولية، خاصة المرتبطة بأجندة التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، وسيمكن من بناء قاعدة معطيات متينة حول الإعاقة.

 

وفي السياق ذاته، أبرزت النتائج الأولية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تسجيل تراجع طفيف في معدل انتشار الإعاقة، الذي بلغ 4,8 في المائة، مقارنة بحوالي 5,1 في المائة سنة 2014، مع استمرار تفاوتات مجالية واضحة، حيث يصل المعدل في الوسط القروي إلى 5,6 في المائة، مقابل 4,2 في المائة في الوسط الحضري، ما يعيد طرح إشكالية الولوج المتكافئ إلى الخدمات والبنيات التحتية.

 

استحضار معطيات 2014 لفهم المسار

من جانبه، استحضر عبد الجبار الرشيدي، كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، نتائج البحث الوطني الثاني حول الإعاقة لسنة 2014، والتي أظهرت أن معدل انتشار الإعاقة بلغ 6,8 في المائة، وأن عدد الأشخاص في وضعية إعاقة وصل إلى 2.264.672 شخصا، كما كشفت أن أسرة واحدة من بين أربع أسر بالمغرب معنية بالإعاقة، بنسبة 24,5 في المائة من مجموع الأسر الذي بلغ 7.193.542 أسرة.

 

كما أظهرت تلك النتائج أن معدل انتشار الإعاقة يرتفع بشكل لافت لدى الأشخاص كبار السن ليصل إلى 33,6 في المائة، مقابل 4,8 في المائة لدى الفئة العمرية بين 15 و59 سنة، و1,8 في المائة لدى الأطفال أقل من 15 سنة، وهي معطيات تؤشر على تداخل الإعاقة مع الشيخوخة والهشاشة الاجتماعية.

 

وأكد الرشيدي أن إطلاق البحث الوطني الثالث بعد هذه السنوات يعكس وعيا مؤسساتيا متقدما بضرورة مواكبة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي على المستويات الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية والمجالية، مشددا على أن نجاعة السياسات العمومية المرتبطة بالإعاقة تظل رهينة بتوفر معطيات إحصائية موثوقة، محينة وقابلة للاستغلال.

 

مقاربة علمية ومعايير دولية

يشرح الرشيدي أنه سيتم إنجاز البحث وفق مقاربة علمية دقيقة، منسجمة مع التطور المفاهيمي لمفهوم الإعاقة القائم على التفاعل بين الفرد والمحيط، ومع المرجعيات الدولية، ولا سيما الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى معايير الإحصاء الرسمي وجودة المعطيات.

 

وستضطلع كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي، إلى جانب وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، بأدوار مركزية في قيادة التنسيق العملياتي بين مختلف المتدخلين، وضمان نشر وتعميم النتائج، واستثمار مخرجات البحث وتوصياته لتحيين وتعزيز وتنفيذ البرامج والمشاريع الموجهة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، مع العمل على ضمان انخراط مختلف القطاعات والمؤسسات والهيئات المنتخبة.

 

تنزيل ميداني للالتزامات

وكشف الرشيدي أن كتابة الدولة ووزارة التضامن تعملان على تسريع وتيرة إصدار بطاقة الشخص في وضعية إعاقة، بما يضمن استفادة المواطنين في أقرب الآجال من الخدمات والمزايا القانونية، ويكرس مرجعية وطنية موحدة لتقييم الإعاقة وتحسين آليات الاستهداف وترشيد الموارد.

 

وفي هذا الإطار، تم إبرام اتفاقيتي شراكة مع المكتب الوطني للسكك الحديدية، الأولى لإقرار تخفيض بنسبة 50 في المائة على تذاكر التنقل لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، والثانية لتحسين الولوجيات داخل المحطات ووسائل النقل.

 

كما لفت إلى أنه جرى إطلاق منصة “إدماج” التي استقبلت 4221 طلبا، تمت معالجة وطبع 2029 بطاقة تخفيض منها، سيتم تسليمها لأصحابها في أقرب الآجال.

 

انتظارات المعنيين

وفي انتظار نتائج البحث، يعبر عدد من الأشخاص في وضعية إعاقة، في تصريحات لـ SNRTnews، عن تطلعهم إلى أن يشكل هذا الورش قطيعة مع مقاربات سابقة. ففي نظر شاب في وضعية إعاقة حركية يجب على “البحث أن يعكس واقعنا الحقيقي، خصوصا في ما يتعلق بالولوج إلى النقل والتشغيل، لأن السياسات الحالية لا تراعي دائما ما نعيشه على الأرض”.

 

من جهتها، تعتبر سيدة في وضعية إعاقة أن “المشكل لا يكمن فقط في الأرقام، بل في كيفية تحويلها إلى قرارات ملموسة، خاصة في التعليم والدعم الاجتماعي، مؤكدة على ضرورة إشراك هذه الفئة في تحليل النتائج وصياغة البرامج سيكون معيار نجاح هذا البحث”.

 

وتتعالى انتظارات الأشخاص في وضعية إعاقة من هذا الورش الإحصائي الجديد، ليس فقط من حيث تحيين الأرقام، بل أساسا من حيث تصحيح مسارات السياسات العمومية التي ظلت، في نظر بعضهم، حبيسة مقاربات جزئية لا تعكس التعقيد الحقيقي لوضعيات الإعاقة.

 

في هذا الصدد، يرى الباحث محمد الورداني، والذي يرأس جمعية تعني بالأشخاص في وضعية إعاقة ذهنية، في تصريحه لـSNRTnews، أن الإشكال “لا يرتبط فقط بنسبة انتشار الإعاقة أو تصنيف أنواعها، بل بكيفية ترجمة هذه المعطيات إلى سياسات عمومية عادلة”، مضيفا “الخلل في كثير من البرامج هو اعتماد معطيات غير مكتملة أو غير دقيقة، ما يؤدي إلى حلول تقنية لا تلامس الواقع اليومي للأشخاص في وضعية إعاقة، خصوصا في مجالات التعليم الدامج والتشغيل والحماية الاجتماعية”.

ويرى هذا الفاعل أن البحث الوطني الثالث يمكن أن يشكل منعطفا حاسما إذا ما تم استثماره خارج “المنطق الإداري الضيق”.

 

 

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق