سنابل الأمل / متابعات
بقلم خالد منتصر
وصلتني رسائل وردود كثيرة عما كتبته عن التوحد بعد مشاهدتي لمسلسل «اللون الأزرق»، وكشفت عن مشاكل ومعاناة كبيرة يلاقيها الأهل في بحثهم عن علاج أو على الأقل اندماج في المجتمع. سأنشرها كما هي بلغتهم وأسلوبهم، كي نقترب من هموم الأسر التي لديها طفل متوحد. الرسالة الأولى من غدير الفقي، أخصائية علم نفس، تقول: أنا اشتغلت فترة في بداية شغلي من 14 سنة مع أطفال توحد، التعامل معهم يحتاج إلى شخص لديه وعي وضمير ويحاول أن يتفنن في الدخول إلى محيط وعيهم وتركيزهم، ويحاول الابتكار لمعرفة الطريقة الأنسب والأصح التي يمكنه أن يعلمهم بها من غير شدة ومن غير إجبار ومن غير أي ضغط، لأنهم لا يحبون الضغط ولا ينفع معهم لأنه يأتي بنتيجة عكسية. الشغل معهم يبدأ بالمراقبة، أن نرى نمط سلوكهم قبل أن نبدأ العمل معهم، مع محاولة حمايتهم من أي خطر، لأننا عندما نفهم ذلك نعرف كيف ندخل إليهم المدخل الصحيح الذي يجعلهم يسمحون لنا بالدخول إلى دائرة وعيهم وإدراكهم. وهم لن يستقبلوا منا أي مجهود إلا إذا شعروا أن وجودي كأخصائي آمن لهم. وبالمناسبة، بالنسبة لأي شخص يعمل معهم، مجرد أن نكون في محيط وعيهم وأن نصبح جزءًا من روتينهم فهذا في حد ذاته إنجاز عظيم، لأن التوحد اضطراب نمائي يجعل الطفل يعيش داخل عالم خاص به، عالم مليء بعوامل محددة وقائم على التكرار اليومي لأن نقطة أمانهم هي الروتين. هذا العالم تفاصيله لا تحتوي على وعي كبير بالبشر، وفكرة التواصل شبه معدومة إلا إذا تم التدخل مبكرًا ونجح الأهل والأخصائي في السير معًا كفريق واحد. أهم شخص مؤثر في حياة طفل التوحد ويأتي بعده الجميع هي الأم. في عملي رأيت الأم التي لا تيأس وتظل وراء ابنها أو ابنتها حتى يصل إلى أفضل مرحلة ممكنة، ورأيت الأم اليائسة التي أهملت لأنها تشعر أنه لا توجد نتيجة، فأصبحت تتعامل معه كأنه مجرد شيء من الأشياء حولها، وهذا يؤثر على تدهوره بشكل كبير، وكأن هناك رابطًا خفيًا بين الطفل وأمه فيتأثر بطاقتها حتى وإن كان مصابًا بالتوحد. وطوال الوقت أنا مؤمنة أنه لا يصح لأي شخص أن يتعامل مع طفل من ذوي القدرات الخاصة، خصوصًا اضطرابات مثل التوحد و«Mental Regressions»، لأنهم لا يستطيعون التعبير عما يحدث معهم. هذا المجال فيه كثير من الأشخاص لا يفهمون شيئًا لكنه بالنسبة لهم مجرد وسيلة لكسب المال، وهناك آخرون متميزون جدًا لكنهم لا يستمرون، لأن المجال في بلدنا مهمل جدًا، فالشخص المتميز لكي يستمر يحتاج إلى عائد مادي مناسب، وقبل ذلك يحتاج إلى تقدير واحترام، وليس نظرة دونية لأنه أخصائي احتياجات خاصة. وما زلنا بحاجة إلى تدريب كوادر جيدة، وأن يكون كل من يعمل معهم على اطلاع دائم ومؤهل «Qualified»، وتوضع له شروط كثيرة قبل اختياره لهذه المهنة العظيمة، مع ضرورة تحديث معلوماته باستمرار وفق أحدث الدراسات التي تساعدنا على تحقيق أفضل نتائج ممكنة. ووصلتني أيضًا رسالة من هايدي رمضان، أم لطفل متوحد: تكاليف مادية كبيرة ما بين علاج دوائي وجلسات، هناك أطفال تحتاج إلى «شادو» وأخرى لا، ومرتب الشادو ومعلمات صعوبات التعلم مرتفع. هناك أيضًا التنمر وعدم القبول من أغلب المحيطين ومن المدارس، بل إن المدرسة قد تقبل أو ترفض الطفل حتى لو كانت «إنترناشونال». محاولة دمجه في المجتمع غالبًا ما تفشل، فالدكتور ينصحك بدمجه وسط الناس تحت إشرافك، لكن عند التطبيق تجد البائع يستغله، وفي النادي يتعرض لمضايقات من زملائه ويتعرض للتنمر. وغالبية أطفال التوحد لديهم مستوى ذكاء مرتفع، لذلك يكون مدركًا لكل ما يحدث معه. وهناك أيضًا من لديهم سمات التوحد، وقد لا تميزهم بسهولة، فتحدثه فلا يرد، وهذا يعرضه لكثير من المشكلات. بصراحة، هي معاناة من كل جانب.
نقلا عن الوطن