مقالة خاصة: أطفال طيف التوحد في غزة يواجهون تحديات مضاعفة في ظل الحرب

0 4

سنابل الأمل / متابعات

تجلس ليان أبو قوصة (16 عاما) في زاوية من منزلها المتضرر بحي الشيخ رضوان في مدينة غزة، تمسك بأوراق وعلبة ألوان، وترسم بتركيز بيتا صغيرا على شاطئ البحر تحيط به أشجار وطيور، قبل أن تملأه بألوان زاهية من الأزرق والأخضر والأصفر.

 

تمرر ليان أصابعها الصغيرة على الورقة وكأنها ترتب تفاصيل عالم هادئ لا يشبه كثيرا الواقع الذي تعيشه فيما ينظر والدها حماد أبو قوصة إلى الرسم بصمت قبل أن يقول لوكالة أنباء ((شينخوا)) “هكذا ما زالت عالقة صورة الحياة في مخيلتها”.

 

ويضيف “ليان تحب الرسم كثيرا، وغالبا ما ترسم بيوتا وحدائق وبحرا وطيورا، لكن في بعض الأحيان ترسم أيضا صواريخ وطائرات وقصفا، كأن الحرب تسللت حتى إلى رسوماتها”.

 

ليان مصابة باضطراب طيف التوحد، وهو اضطراب نمو عصبي يؤثر على طريقة تواصل المصابين به وتفاعلهم مع الآخرين، ويجعلهم أكثر حساسية للتغيرات المفاجئة في البيئة المحيطة بهم.

 

قبل اندلاع الحرب في قطاع غزة، كانت عائلة ليان تحاول مساعدتها على تطوير مهاراتها في والتعامل مع حالتها من خلال برامج تأهيلية بسيطة، رغم محدودية الإمكانيات في القطاع.

 

ويقول والدها إن العائلة لاحظت منذ أن كانت في الثالثة من عمرها أنها مختلفة عن بقية الأطفال، إذ كانت شديدة الخجل وتميل إلى العزلة ولا تتفاعل مع الآخرين مثل أقرانها، ليتم لاحقا تشخيصها باضطراب طيف التوحد.

 

ومع ذلك، يضيف الأب “اكتشفنا موهبتها في الرسم فحاولنا خلال الحرب تشجيعها ومساعدتها على الرسم والتعبير عن مشاعرها رغم الإمكانيات المحدودة”.

 

ويشرح إن ابنته كانت بحاجة إلى برامج علاج وتأهيل متخصصة، وقد واظبت عائلتها على ذلك لمساعدتها على الاندماج في المجتمع، ولكن لم يدم الحال طويلا، فمع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، تغيرت حياة ليان بشكل كبير، إذ أصبح من الصعب الحفاظ على الروتين اليومي الذي يحتاجه الأطفال المصابون بطيف التوحد للشعور بالأمان والاستقرار.

 

ويقول أبو قوصة إن أصوات القصف والانفجارات كانت في البداية مرعبة للغاية بالنسبة لها.

 

ويضيف الأب “مع بداية الحرب كانت تصرخ مع كل انفجار وتبكي بشكل هستيري، ثم تجلس في زاوية الغرفة وتضم ركبتيها إلى صدرها وترجف من الخوف”.

 

ويشير إلى أن العائلة حاولت قدر الإمكان حمايتها من مشاهد العنف وأصوات القصف، لكن ذلك لم يكن ممكنًا في ظل تواصل الهجمات.

 

وما زاد الأمر صعوبة أن منزلهم تعرض للقصف وتضررت أجزاء كبيرة منه، واضطرت العائلة للنزوح عدة مرات قبل العودة والعيش فيه بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، رغم الأضرار البالغة الناتجة عن الاستهداف الإسرائيلي.

 

ويقول الأب “نعيش الآن في منزل غير آمن، والمكان مليء بالمخاطر، لذلك نضطر إلى مراقبتها طوال الوقت”.

 

ويضيف “لا يمكن أن نتركها وحدها، يجب أن يكون هناك دائمًا أحد من أفراد العائلة معها، لأنها قد تتحرك في مكان خطير أو تقوم بشيء قد يؤذيها دون أن تقصد”.

 

وفي الثاني من إبريل من كل عام يحيي العالم ((اليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد))، وهو يوم أقرته الجمعية العام في الأمم المتحدة منذ عام 2007 لزيادة الوعي بهذا الاضطراب ودعم المصابين به.

 

وفي كثير من الأحيان يمتاز بعض الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد بقدرات خاصة، فبعضهم يبرع في الرسم مثل ليان، بينما يظهر آخرون ذكاءً ملحوظًا وقدرة على الحفظ والتعلم، رغم الضغوط اليومية الناتجة عن الحرب.

 

وفي سياق مماثل، يجسد الطفل يحيى شمالي من مدينة غزة، والمصاب أيضا بطيف التوحد، هذه القدرات الفريدة، حيث يتمتع بذكاء ملحوظ وقدرة استثنائية على الحفظ والتعلم، وقد لاحظت عائلته هذه الصفات منذ سنوات.

 

وتقول والدته لوكالة ((شينخوا)) “ابني يمتلك ذكاء عاليًا مقارنة بعمره، يستطيع حفظ المعلومات بسرعة، ويظهر اهتماما واضحا بالدراسة وحل مسائل الرياضيات المعقدة، لذلك عملنا جاهدين على تطوير مهاراته”.

 

وتضيف “كان يحيى يتلقى علاجًا سلوكيًا وطبيًا في مراكز متخصصة في غزة، وسافر إلى مصر لتحسين حالته، وتحسنت قدراته هناك بشكل كبير، لكن رحلة العلاج توقفت بشكل مفاجئ عندما عاد يحيى إلى غزة قبل أسبوع من اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ما اضطر العائلة للتنقل مرات عدة بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا، وهو ما أثر على استقراره النفسي وسلوكه.

 

وتضيف “الأطفال المصابون بالتوحد يحتاجون إلى روتين ثابت وبيئة مستقرة، لكن النزوح المستمر والضغوط اليومية جعلت الأمر صعبًا للغاية”.

 

وتتابع “أشعر بالخوف عليه طوال الوقت فأي خطأ أو حركة غير متوقعة يمكن أن تؤذيه أو تعرضه للخطر، خاصة في بيت غير مستقر ووسط ضوضاء القصف والانفجارات. كل يوم نعيش لحظة توتر وقلق مستمر”.

 

ومع استمرار الظروف الصعبة، اضطرت العائلة إلى استئجار شقة جديدة لتوفير مكان أكثر هدوءًا لدراسة يحيى، رغم التكاليف المالية المرتفعة.

 

وتشرح “نحاول أن نوفر له مكانًا يساعده على الدراسة والتعلم، لأنه طفل ذكي ويحب المعرفة، وكنا نأمل أن يستمر علاجه ويتطور أكثر، لكن الحرب أوقفت كل شيء”.

 

ويرى مختصون أن الحرب في قطاع غزة فاقمت من معاناة الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، كما زادت الضغوط النفسية والاقتصادية على عائلاتهم.

 

وفي هذا السياق، تقول ريم جعرور، رئيسة برامج التوحد في جمعية الدلفين للتعليم والتنمية المجتمعية في قطاع غزة، لوكالة ((شينخوا)) “إن التحديات التي تواجه الأطفال المصابين بالتوحد كانت قائمة حتى قبل الحرب بسبب نقص الكوادر المتخصصة والبرامج التأهيلية”.

 

وتضيف أن الحرب أدت إلى توقف العديد من مراكز التأهيل وخدمات الدعم النفسي، ما حرم أعدادا كبيرة من الأطفال من البرامج التي كانوا يعتمدون عليها.

 

وتوضح أن العديد من العائلات أصبحت مضطرة للتعامل مع حالات أبنائها دون وجود دعم متخصص.

 

وقالت “الأطفال المصابون بالتوحد يعتمدون بشكل كبير على الاستقرار والروتين، لكن الحرب والنزوح وفقدان الخدمات جعلت حياتهم أكثر صعوبة”.

 

وبحسب جعرور، لا توجد إحصائية دقيقة حول أعداد الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد في قطاع غزة، إلا أن التقديرات تشير إلى أن عددهم يتجاوز بضع مئات.

 

وفي ظل هذه الظروف، تحاول عائلات مثل عائلة ليان ويحيى الحفاظ على قدر من الأمل في حياة أبنائها، رغم واقع يومي تفرضه الحرب ويجعل أبسط أشكال الاستقرار أمرا بعيد المنال.

 

المصدر: 2026 (شينخوا)

Sponsored by Xinhua News Agency. Copyright © 2000-2026 XINHUANET.com All rights reserved.

 

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق