منظور متطور للتعامل مع ذوي الإعاقة

0 2

سنابل الأمل / متابعات

 

ألفة السلامي

اكتشفت مؤخرًا في حديث عابر مع صديق من أصحاب الإعاقة الحركية يتميز بمستوى عالٍ من التعليم والثقافة والتميز الشخصي، أنه يرفض الصورة المحفزة “للإلهام” التي وصفتُه بها بل ويتحداها “لأنها صورة نمطية غالبا ما يضعه المجتمع داخلها ثم يبني توقعاته!”. كنت قد اغتنمت فرصة الاحتفال باليوم العالمي لذوي الإعاقة من مرضى الشلل الرعاش أو ما يسمى “باركنسون”، الموافق 11 إبريل من كل عام، لسؤالي عنه وتحيته وذكرت له كلاما من القلب حول الإلهام الذي أشعر به عند متابعتي لنشاطاته عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو المشخص بمرض باركنسون الشبابي النادر لدى هذه الفئة العمرية. أوقفني صديقي ممتعضا، واعتبر كلماتي مجرد رد فعل على التمييز ضد ذوي الإعاقة وهو يطمح لفعل طبيعي وليس رد فعل؛ وقال لي: “أصلحوا الحواجز المجتمعية والتمييز ونقص الإدماج؛ افتحوا المدارس وشيدوا المباني وفقا للمواصفات المناسبة لذوي الإعاقات والمواصلات سهلة الاستخدام لهم وستصبح الإعاقة أمرا طبيعيا مثل الشخص الطويل والآخر القصير أو الأصلع وذلك صاحب الشعر الطويل. سنجد المئات منهم تمكنوا من النبوغ دون معاناة طه حسين ومصطفى صادق الرافعي ورفاعة الطهطاوي وعمار الشريعي وهبة هجرس وجهاد إبراهيم وإيمان كريم وتوماس أديسون وستيفن هوكينغ وأينشتين وبيتهوفن، وغيرهم من النماذج المحلية والعالمية!

قد يتساءل البعض وماذا يريد هذا الشخص المعاق غير التشجيع ومزيد من التحفيز له كشخص ملهم لمجتمعه والمحيطين به؟!

لو كنت في عمر الشباب لربما ظننت أنه شخص معقّد تنقصه الكياسة والذوق. لكن النضج المكتسب عبر سنوات العمر دفعني للتأمل بعمق فيما ذكره لي هذا الصديق فوجدته يحمل منظورا مختلفا للقضية وصادقا مع النفس وليس من قبيل القفز للأمام. يختبر الأشخاص ذوو الإعاقة مجموعةً واسعةً من المشاعر، بما في ذلك الحزن والغضب والفرح والإحباط، وتتشكل تعبيراتهم عن هذه المشاعر من خلال تجاربهم الشخصية والعوائق المجتمعية التي يواجهونها. ويقاوم العديد من ذوي الإعاقة الضغط المجتمعي الذي قد يدفعهم إلى التحلي بالإيجابية الدائمة أو إلهام غيرهم، أو على الصح يضطرهم إلى ارتداء هذه الشخصية حتى لو كانت مصطنعة. لكن داخلهم مشاعر سلبية ويحتاجون للتعبير عن حقهم حتى في تلك المشاعر السلبية، مثل الإحباط من التمييز ضدهم أو الألم المزمن نتيجة التنمر، دون أن يُنظر إليهم على أنهم “ناكرون للجميل” أو ينشدون الشفقة والتعاطف. غالبًا ما تُفاقم تجارب العزلة الاجتماعية والمشاكل المالية وعدم عدالة الفرص والتعليقات المحرجة من الصعوبات التي يواجهها أصحاب الإعاقة. وهم يشعرون بالحاجة إلى الاعتراف الحقيقي بهم -كما هم-دون مبالغة أو تهوين كما يرغب الأفراد ذوو الإعاقة أيضا باعتراف المجتمع بأصواتهم وقصصهم واحتياجاتهم الفعلية واحترامها، لا أن تُحجب من خلال منظور أنهم “ذوو قدرات خارقة” أو من منظور شفقة على إعاقتهم. إنهم يرغبون في أن يُنظر إليهم كبشر متكاملين، ذوي حيوات واهتمامات ومشاعر غنية، وليس مجرد حالة.

تطبيع الضعف العاطفي والتركيز على إنسانيتهم يحتاج منظورا جديدا في السياسات العامة للدولة ثم توعية رشيدة وهادئة دون “بروباجندا”؛ هذا ما طالب به صديقي. يقول إن أجساد وعقول الأشخاص ذوي الإعاقة لا تتوافق دائمًا مع “المعايير” المُحددة والنمطية، وأن الضعف العاطفي، هو إستجابة بشرية طبيعية لا تلتصق بهم بل بكل إنسان له ضعف معين فكل إنسان لديه ضعف معين؛ ومن ليس له ضعف؟!.

إذن هناك رغبة في التواصل والكرامة، وغالبًا ما تتمحور آراء ذوي الإعاقة حول الحاجة إلى الحب والرغبة والاحترام والانتماء. كما يرغب الأشخاص ذوو الإعاقة في أن يُعاملوا كأقران وشركاء محتملين، مع فرص متساوية لبناء العلاقات والمساهمة في المجتمع كأي شخص آخر. إنهم يرغبون أيضا أن تتحول هذه المناسبات إلى دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز دمجهم الاجتماعي، وتهيئة بيئة مستدامة لهم، بعيدا عن الاحتفالات والمؤتمرات والتصاقا أكثر بسبل التنفيذ.

وفي جوهرها، تُمثل “الصرخة” دعوةً إلى إدماج عاطفي حقيقي، وتفكيك المواقف التمييزية ضد ذوي الإعاقة التي تُجرّد ردود أفعالهم الطبيعية تجاه عالم غالبًا ما يكون بعيد المنال، أو تُضفي عليها طابعًا طبيًا يجعلهم عرضة لطلب المساعدة لكن لو تم حل هذه المشكلات طبيا وأصبحت الخدمات الطبية المقدمة إليهم حقا من حقوقهم الطبيعية كأي شخص أو ربما بمواصفات حالتهم فسوف تتغير حياتهم للأفضل.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق