نظام متقدّم لكسر عزلة الصمّ في تركيا وتعزيز استقلاليتهم

0 3

سنابل الأمل / متابعات

بدأت تركيا منذ مارس/آذار 2022 التفكير بإطلاق تطبيقٍ ذكي على الهواتف المحمولة يمكّن ذوي الإعاقة السمعية من إجراء مكالمة مرئية، عبر مترجم وسيط، يكسر خلالها حواجز التواصل ويدير شؤون أولئك الأشخاص ويلبّي احتياجاتهم، خصوصاً في الدوائر الرسمية، ويعزّز كذلك اندماجهم في المجتمع. فكان أن أبصر “AİLEM” (آيلم) النور، بعد فترة تجريبية شملت تأهيل البنى التحتية واعتماد المترجمين، وأُطلق خلال حفل أُقيم برعاية وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية التركية في سبتمبر/أيلول 2023، قبل أن يتوسّع النظام ويشمل الولايات التركية، ويقدّم الخدمة على مدار الساعة.

ويُعرّف عابد صبوح، وهو مدير شركة لخدمة الاتصالات في إسطنبول، “الخدمة” بأنّها ترجمة فورية، مرئية، وعن بُعد لذوي الاحتياجات الخاصة، يكون خلالها مترجمو لغة الإشارة هم الوسطاء وحلقة الوصل المباشر، بحيث ينقلون مطالب الأصم إلى المعنيين، ومن ثم يعيدون الرد “الترجمة” بلغة الإشارة، معتبراً أنّ النظام خدميّ أكثر منه تقنيّاً، لكنه يحلّ مشكلات ذوي الإعاقة السمعية في الدوائر الرسمية والخدمية والمستشفيات والمنشآت التعليمية، ما يُغني عن الحضور الشخصي، ويخفّف الأعباء والتكاليف، والأهم أنّ التطبيق يقدّم ترجمة فورية موثوقة عبر متخصّصين.

 

ويؤكد صبوح أنّ النظام في حالة تطوّر مستمر، إذ يمكن تحميله على الهواتف الذكية؛ وبعد إنشاء الحساب، يمكن البدء من داخل تركيا وخارجها بالاتصال المرئي مع المترجمين الذين وزّعتهم وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية على الدوائر في معظم الولايات التركية، بهدف حلّ قضايا ذوي الإعاقة السمعية وتلبية احتياجاتهم، من دون حضورهم أو حتى وجود المترجمين في المكان ذاته. ويكشف أنّ الخدمة مجانية، في حين أنّ المترجمين في بعض الدوائر يتلقّون مبالغ ممّن لا يُجيد اللغة التركية.

 

وعن سبب عدم اعتماد مترجم إلكتروني أو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، يقول صبوح: “الأمر ممكن ومُتاح، لكنّني أشكّ في مدى دقته، قياساً بالمترجم المتخصّص، لأنّ لغة الإشارة التي تعتمد على تعابير الوجه والجسد وحتى بعض الأصوات، قد لا تستطيع الأنظمة الذكية إجادتها كما يجيدها الشخص المتخصّص، كما أنّ موضوع السريّة مهم في هذه الحالة، سواء خلال الحالات الصحية أو القضايا المالية”، مشيراً إلى أنّ المرحلة الراهنة شهدت إدماج التقنية مع المترجم البشري، وقد تتطور لاحقاً.

لغة الإشارة في شوارع أنقرة، 12 سبتمبر 2024 (ديلارا إيريم سانجار/الأناضول)

وأكدت وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية أنها تواصل تطوير خدماتها الرقمية الموجّهة لذوي الإعاقة السمعية، من خلال نظام “آيلم” الذي يُعدّ أحد أبرز المشاريع التقنية والاجتماعية الهادفة إلى إزالة حواجز التواصل بين المواطنين والمؤسسات الحكومية والخدمية. موضحة أن نظام “آيلم” قدّم الدعم في 286 ألفاً و384 مكالمة حتى الآن، بعد استفادة أكثر من 59 ألف مستخدم نشط، من خدمات الترجمة الفورية بلغة الإشارة، ما ساهم في تقليل فجوة التواصل وتحسين جودة الخدمات. ولا يقتصر استخدام نظام “آيلم” على جهة واحدة، بل يمتد ليشمل مجالات متعدّدة من الحياة اليومية، ما يجعله أداةً شاملة لتسهيل إدماج ذوي الإعاقة السمعية في المجتمع.

وترى الباحثة في جامعة محمد الفاتح بإسطنبول، عائشة نور، أنّ النظام “خطوة متقدّمة نحو العدالة الاجتماعية والإدماج في المجتمع، أكثر ممّا هو خدمة إلكترونية ونقلة تكنولوجية، رغم اعترافنا بفضل التكنولوجيا، إذ إنّه يساهم في تعزيز استقلالية الصمّ وتشكيل هوياتهم الخاصة، نتيجة اعتمادهم على أنفسهم”. وتضيف الباحثة التركية لـ”العربي الجديد” أن النظام يحقّق للصمّ خصوصيّة واستقلاليّة، بعيداً عن اضطرارهم إلى الاستعانة بمترجمٍ مرافق، خصوصاً خلال إتمام معاملات خاصة، سواء في المستشفى حيث لا يريد الأصمّ الكشف عن مرضٍ معيّن يشكو منه، أو خلال إجراء معاملات مصرفية أو تسجيل مُلكية.

وتشير إلى أنّ النظام ساهم في تخفيف مشكلات التنقل ومعاناة إحضار مُترجِم أو عدم فهم الحاجة، كما في إخراج الصمّ من عزلتهم، وتوفير طريقة تواصل حتى في الأوقات الطارئة والحرجة، ما يدفع إلى التفكير في ضرورة إدماج الصمّ في مجتمع العمل بعد أن سمح لهم النظام الجديد بالتعبير عن حاجاتهم.

وقبل إطلاق نظام “آيلم”، طور العالمان التركيان أحمد فاروق أصلان وأوزر تشليك من جامعة عثمان غازي بولاية أسكيشهير (شمال غرب)، برنامجاً إلكترونيّاً لمساعدة الصمّ والبكم، يستطيع ترجمة المواقع الإلكترونية، ونصوص “بي دي إف “، ومقاطع الفيديو إلى لغة الإشارة. وقال تشليك في تصريحاتٍ سابقة، إنّه وزميله أصلان أرادا تأمين تواصل ثنائي للأفراد الذين يعانون الصمم، لأن هؤلاء الأشخاص يواجهون صعوبة في التواصل مع من لا يعرفون لغة الإشارة. ولفت إلى أنّ “50% من الصم في تركيا لا يفهمون ما يقرؤونه، وذلك لأنّ لغة الإشارة تختلف كثيراً عن اللغة التركية المحكية”.

وساهم نظام “آيلم” في حلّ المشكلات اليومية التي يتعرّض لها الصمّ الذين يُقدّرهم معهد الإحصاء التركي ووزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية بنحو 3.5 ملايين شخص، موزّعين على صمّ تامّ وجزئي، والصمّ الناتج عن الشيخوخة. وفي تركيا لغة إشارة خاصة (Türk İşaret Dili – TİD) لها قواعدها النحوية الخاصة، ومُعترف بها منذ العام 2005 ضمن قانون ذوي الإعاقة رقم 5378، وتعمل الدولة منذ ذلك الحين على وضع قواميس رسمية موحّدة لمنع الاختلافات اللغوية بين الولايات التركية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق