مجلس نواب الشعب ينظم يوما دراسيا حول الملكية الفكرية: بين حماية المبدعين وحق المكفوفين في المعرفة… هل يكفي تنقيح القانون؟

0 0

سنابل الأمل – متابعات

 

من البديهي في القرن 21 أن تكون المعرفة حقا أساسيا لا يقل أهمية عن الحق في التعليم أو الصحة… لكن ملايين الأشخاص حول العالم مازالوا يواجهون صعوبات حقيقية في الوصول إلى الكتب والمراجع بسبب إعاقات بصرية أو صعوبات في قراءة المطبوعات. في هذا السياق، تبرز أهمية النقاش الذي فتحه مجلس نواب الشعب حول تنقيح قانون الملكية الأدبية والفنية. وهو نقاش يتجاوز مجرد تعديل بعض الفصول القانونية ليطرح سؤالا جوهريا : كيف يمكن حماية حقوق المؤلفين دون حرمان فئات واسعة من حقها في النفاذ إلى المعرفة؟ نظمت الأكاديمية البرلمانية لمجلس نواب الشعب، أمس الأربعاء 24 جوان 2026، يوما دراسيا حول مقترح قانون يتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 36 لسنة 1994 المتعلق بالملكية الأدبية والفنية، أشرف عليه العميد إبراهيم بودربالة رئيس مجلس نواب الشعب وبحضور فوزي الدعاس رئيس لجنة التشريع العام الى جانب محمد عمايري المكلف بتسيير المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة وعدد من إطارات وزارة الشؤون الثقافية. معاهدة مراكش وضمان النفاذ يهدف مقترح القانون المتعلق بالملكية الأدبية والفنية إلى ملائمة التشريع التونسي مع معاهدة مراكش التي صادقت عليها تونس سنة 2016، والتي تسعى إلى تسهيل نفاذ المكفوفين وضعاف البصر والأشخاص الذين يعانون من صعوبات في قراءة المطبوعات إلى المصنفات المنشورة في صيغ ميسرة مثل كتب “برايل” والكتب الصوتية والنسخ الرقمية المتوافقة مع قارئات الشاشة. وخلال افتتاح أشغال اليوم الدراسي، أكد رئيس مجلس نواب الشعب أنّ التنقيح المقترح يندرج في إطار تطوير المنظومة التشريعية الوطنية بما ينسجم مع الالتزامات الدولية لتونس ويعزز في الوقت نفسه حماية حقوق المؤلفين ويوسع فرص النفاذ إلى المعرفة. لكن رغم اتفاق الجميع تقريبا على أهمية الأهداف المعلنة، فإن النقاش كشف عن جملة من الإشكاليات القانونية والفنية التي قد تؤثر في نجاعة النص عند دخوله حيز التنفيذ. ملايين المكفوفين خارج دائرة المعرفة عرض محمد عمايري، المكلف بتسيير المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، جملة من التحفظات المهمة، مذكرا أولا بحجم الفئة المستهدفة بأحكام المعاهدة. واستناداً إلى معطيات منظمة الصحة العالمية، أشار إلى أن نحو 2.2 مليار شخص يعانون من اعتلالات بصرية مختلفة، من بينهم أكثر من 330 مليون شخص يعانون من العمى أو ضعف بصري حاد، ما يجعل مسألة النفاذ إلى المعرفة قضية حقوقية وإنسانية بامتياز. غير أنّ محمد عمايري نبّه إلى وجود نقائص في بعض الفصول المقترحة، معتبرا أن الفصل 49 مكرر جديد لم يتناول مسألة الحقوق المجاورة، وخاصة حقوق فناني الأداء الصوتي ومنتجي التسجيلات السمعية، رغم أن الكتب الصوتية تعد من أهم الوسائل التي تعتمدها الفئات المستهدفة للاستفادة من المصنفات الأدبية والعلمية. كما أشار إلى أن تعريف النسخة الميسرة لم ينص صراحة على احترام هذه الحقوق، وهو ما قد يطرح إشكالات قانونية عند التطبيق. ولفت كذلك إلى أن بعض الصياغات المقترحة تفتقر إلى الضوابط التشريعية الكافية، بينما قد تؤدي الإجراءات الواردة في فصول أخرى إلى إطالة آجال معالجة الطلبات، بما قد يحرم المستفيدين من الحصول على المراجع الدراسية في الوقت المناسب. وتبرز هنا مفارقة أساسية، فالقانون يسعى إلى تسهيل النفاذ إلى المعرفة، لكن التعقيدات الإجرائية المحتملة قد تحول دون تحقيق هذا الهدف على أرض الواقع. فبالنسبة إلى الطالب الكفيف مثلا، لا تكمن المشكلة في وجود الحق القانوني فقط، بل في إمكانية الحصول على الكتاب أو المرجع الدراسي عندما يحتاجه . النواب يطالبون بمقاربة أشمل للإعاقة ومن النقاط التي أثارت نقاشا مستفيضا ، مقترح تخصيص نسبة سنوية من العائدات لفائدة صندوق التشجيع والاستثمار في الإبداع الأدبي والفكري. وقد اعتبر محمد عمايري، المكلف بتسيير المؤسسة التونسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، أنّ هذا التوجه يثير إشكالات قانونية باعتبار أن قانون الملكية الأدبية والفنية لا يمكنه فرض التزامات على قوانين المالية السنوية، فضلا عن أن المشروع لم يحدد النسبة المقترحة ولا كيفية توظيف هذه الموارد. وقد دعا عدد من النواب إلى توسيع دائرة النظر في المرجعيات الدولية وعدم الاقتصار على معاهدة مراكش وحدها، مؤكدين ضرورة اعتماد رؤية أشمل تراعي مختلف أنواع الإعاقة وتضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفئات المعنية. كما شدّد المتدخلون على أن النص المعروض حاليا هو ثمرة مسار تشاركي مر بمرحلتين أساسيتين: الأولى تمثلت في إعداد المقترح من قبل النواب، والثانية في تنظيم جلسات استماع شملت ممثلين عن وزارة الشؤون الثقافية وخبراء ومختصين بهدف تحسين الصياغة وتجاوز النقائص المحتملة. وفي ختام النقاشات، برز اتفاق واضح على مواصلة تلقي المقترحات والآراء خلال المراحل القادمة من العمل التشريعي، في محاولة للوصول إلى صيغة تحقق التوازن بين حماية المبدعين وضمان حق الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية في النفاذ إلى الثقافة والمعرفة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق