الثنائية في سورة الرحمن حين يتجلّى الجمال في توازن الأضداد

0 2

سنابل الأمل – خاص

بقلم الأستاذ/ محمد بن عبدالله الدعيلج

سورة الرحمن نسيجٌ بديع من التوازن، يكاد القارئ لا يقطع شوطًا في آياتها إلا ويجد نفسه أمام ثنائية جديدة، حتى ليخيّل إليه أن السورة أقامت بنيانها كله على مبدأ الازدواج؛ وكأنها تعلن أن الكون الذي خلقه الرحمن لا يقوم على طرفٍ منفرد، وإنما على توازنٍ محكم بين شيئين، يتكاملان ولا يتنافيان.

ومن هنا جاءت السورة تتجاور فيها السماء والأرض، والإنس والجن، والبحران، والدنيا والآخرة، والخوف والرجاء، والجلال والإكرام، حتى غدت الثنائية فيها ليست لونًا بلاغيًا عابرًا، وإنما روحًا تسري في أوصال السورة كلها.

تفتتح السورة باسمٍ واحد هو ﴿الرَّحْمَنُ﴾، لكنه يفيض بعطائين متلازمين؛ عطاء الهداية، وعطاء الإيجاد. ولذلك لم تقل الآيات: خلق الإنسان ثم علّم القرآن، بل قدّمت الوحي على الخلق فقالت:

﴿الرَّحْمَنُ ۝ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.

وهذا الترتيب يصنع أول ثنائية في السورة؛ فالحياة ليست جسدًا يُخلق فحسب، بل روحًا تُهدى، ولسانًا يُبين. وكأن الإنسان لا يكتمل إلا إذا اجتمع له خلقٌ من الله، وهدايةٌ من الله.

ثم ترتفع العين إلى السماء، وتهبط إلى الأرض:

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾،

ثم:

﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾.

فالسماء مرفوعة، والأرض مبسوطة، وبينهما ميزانٌ يحفظ الوجود من الاختلال. وليس عجيبًا بعد ذلك أن يأتي النهي مباشرة:

﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۝ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾.

فكأن عدل الإنسان امتدادٌ لذلك الميزان الذي قامت عليه السماوات والأرض.

ثم تعرض السورة ثنائية الحركة والسكون. فالأجرام العظيمة تتحرك في نظام دقيق:

﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾،

بينما يقف النبات والشجر في هيئة العبودية:

﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾.

حركةٌ محسوبة، وسكونٌ خاشع، وكلاهما يؤدي وظيفته في طاعة الرحمن.

ثم تنتقل السورة إلى البحرين:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾.

إنها ليست مجرد حقيقة كونية، بل درسٌ أخلاقي أيضًا؛ فالقوة لا تعني العدوان، والالتقاء لا يستلزم الذوبان، والاختلاف لا يقتضي الصراع. ولذلك خرج من هذين البحرين المختلفين جمالٌ واحد:

﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾.

ثم تظهر الثنائية التي انفردت بها هذه السورة، وهي مخاطبة الثقلين:

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

وليس من المصادفة أن تتكرر هذه الآية إحدى وثلاثين مرة؛ فهي ليست تكرارًا لفظيًا، وإنما لازمة تُقسّم السورة إلى مقاطع، وتأتي بعد كل نعمة أو مشهد أو وعيد لتجعل القارئ يقف للمراجعة والمحاسبة.

وكلما انتقلت السورة من نعمة إلى نعمة، عاد السؤال نفسه، وكأنه مطرقة رقيقة تطرق القلب قبل السمع.

ثم تبلغ الثنائية ذروتها في قوله تعالى:

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

هنا تختصر السورة فلسفة الوجود كلها في كلمتين: يفنى ويبقى. فكل ما تتعلق به النفس زائل، وكل ما يُتقرّب به إلى الله باقٍ. إنها أقوى مقابلة في السورة، لأنها تنقل الإنسان من الانشغال بالمؤقت إلى التعلق بالأبدي.

ثم ينقسم الطريق إلى مصيرين؛ مشهداٌ للمجرمين:

﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾،

ومشهدٌ للمتقين:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.

وهنا لا يُربّى القلب على الخوف وحده، ولا على الرجاء وحده، بل على الجمع بينهما؛ فمن عرف الجلال خاف، ومن عرف الرحمن رجا.

ومن أبدع صور الثنائية أن السورة جعلت لأهل الإحسان جنتين، ثم ذكرت بعدهما جنتين أخريين:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾…

ثم…

﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾.

ولم تكتف بالإجمال، بل قابلت بين أوصافهما؛ فالأوليان:

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾،

وفيهما:

﴿مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾،

أما الأخريان:

﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾،

وفيهما:

﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾.

وكأن الجزاء نفسه قائم على ميزان التفاضل، كما أن الإيمان درجات.

ثم تأتي الخاتمة لتجمع كل الثنائيات في كلمتين:

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

فـالجلال يورث التعظيم، والإكرام يورث المحبة، وبهما تكتمل العبودية؛ فلا يغلب الخوف حتى يقنط العبد، ولا يغلب الرجاء حتى يأمن مكر الله.

وهكذا تبدو سورة الرحمن وكأنها قصة كونية كبرى، كتبتها القدرة الإلهية بلغة التوازن. فما من ثنائية فيها إلا وهي تؤدي رسالة: أن الكون لا يقوم إلا بالميزان، وأن النفس لا تستقيم إلا بالاعتدال، وأن القلب لا يبلغ كمال العبودية حتى يجمع بين الخشية والمحبة، وبين التأمل في الجلال، والتلذذ بفيض الإكرام.

ولعل هذا هو السر في أن السورة كلما كشفت للقلب وجهًا من وجوه النعمة، أو مشهدًا من مشاهد القدرة، أو صورةً من صور الجزاء، عاد ذلك النداء العجيب يتردد في أرجائها:

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

إنه ليس سؤالًا ينتظر جوابًا، بل حقيقة لا تترك للقلب إلا جوابًا واحدًا: لا نكذب بشيء من آلائك يا رب، فلك الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق