من ضعف السمع إلى التوحد.. علامات تكشف تأخر الكلام عند الأطفال
سنابل الأمل / متابعات
كثير من الأمهات لا يدركن مشكلة تأخر طفلها في الكلام إلا بعد فوات وقت مهم للتدخل، أو بعد أن يلفت المحيطون بها نظرها إلى وجود مشكلة تستدعي الانتباه، خاصة إذا كانت أمًا للمرة الأولى.
وتختلف حالات تأخر الكلام من طفل إلى آخر؛ فقد تكون بسيطة وتتحسن بسهولة مع الوقت والتدريب، بينما قد تكون في حالات أخرى مؤشرًا على مشكلة تحتاج إلى تدخل متخصص، وتعدد الأسباب يجعل الأم في حيرة من أمرها؛ متى يكون التأخر طبيعيًا؟ وإلى أي تخصص يجب أن تتجه لمعرفة السبب والعلاج؟
أسباب متعددة
يقول الدكتور جمال شفيق أحمد، أستاذ العلاج النفسي بجامعة عين شمس وأمين لجنة قطاع الطفولة بالمجلس الأعلى للجامعات، إن تأخر الكلام لدى الأطفال يعني عدم قدرة الطفل على نطق الكلمات أو تكوين الجمل بالمعدل المتوقع مقارنة بأقرانه في العمر والبيئة نفسيهما.
ويشير إلى أن المشكلة شائعة بين الأطفال، لكنها تختلف وفق العمر ونوع التأخر؛ فهناك تأخر الكلام البسيط، الذي يظهر لدى نسبة تتراوح بين 10 – 15% من الأطفال، ويكون في صورة تأخر نسبي عن الأقران في اكتساب الكلام.
كما توجد اضطرابات اللغة، التي قد تظهر لدى نحو 8% من الأطفال، وتتمثل في صعوبة النطق السليم أو تكوين الجمل أو فهم الكلام، إلى جانب اضطرابات النطق التي تظهر لدى نحو 7% من الأطفال، وتتمثل في نطق الكلمات مع عدم وضوح بعض الأصوات أو الحروف.
لماذا يتأخر الطفل في الكلام؟
ويضيف د. جمال أن أسباب تأخر الكلام متعددة، منها عوامل طبيعية وأخرى صحية وبيئية ونفسية ونمائية، فمن العوامل الطبيعية جنس الطفل وترتيبه بين إخوته؛ إذ قد تتطور بعض مهارات اللغة لدى البنات في وقت أبكر من الأولاد، كما قد يتأخر الطفل الثاني أو الثالث في استخدام الكلام إذا كان إخوته يسارعون إلى تلبية احتياجاته وترجمة ما يريد دون أن يضطر إلى التعبير عنها بنفسه، كما قد يواجه الطفل الذي يعيش في منزل ثنائي اللغة بعض التأخر المؤقت في اكتساب اللغة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اضطراب.
ومن الأسباب الصحية والجسمية وجود مشكلات في السمع، أو تضخم اللحمية الذي قد يؤثر في التنفس، أو بعض المشكلات المتعلقة بالفم وعضلات الفم والحلق.
أما الأسباب البيئية، فمن أبرزها العزلة الاجتماعية، وقلة الحوار مع الطفل، وكثرة التعرض للشاشات، والتدليل الزائد، خاصة عندما يكتفي الطفل بالإشارة إلى الأشياء التي يريدها بدلًا من محاولة التعبير عنها بالكلام.
وهناك أيضًا أسباب نفسية ونمائية، من بينها اضطراب طيف التوحد، والتأخر العام في النمو، وبعض حالات الإعاقة الذهنية، فضلًا عن الحرمان العاطفي الشديد أو التعرض لصدمات وضغوط نفسية مستمرة.
علامات خطر
ويؤكد د. جمال أن هناك علامات تختلف باختلاف عمر الطفل وتستدعي مراجعة المتخصصين، ففي الفترة من 9 – 12 شهرًا، ينبغي الانتباه إذا كان الطفل لا ينظر إلى والديه أثناء الحديث معه، ولا يشير إلى الأشياء التي يريدها، ولا ينطق أي كلمة مثل «ماما» أو «بابا»، ولا يتفاعل مع بعض ألعاب التواصل البسيطة.
ومن عمر سنة ونصف إلى سنتين، يصبح من المهم تقييم الطفل إذا كان لا يفهم الأوامر البسيطة، أو يعتمد على الإشارة فقط بدلًا من محاولة الكلام، أو كان محصوله اللغوي محدودًا للغاية.
أما من عمر سنتين إلى ثلاث سنوات، فينبغي الانتباه إذا كان الطفل منعزلًا ولا يرغب في اللعب مع الأطفال الآخرين، أو لا يستطيع تكوين جملة بسيطة من كلمتين مثل «عايز أشرب»، أو كان معظم كلامه غير مفهوم.
وبعد سن الثالثة، تعد من علامات القلق عدم قدرة الطفل على استخدام الضمائر بصورة مناسبة، أو عدم فهم الأشخاص خارج الأسرة لكلامه، أو اقتصاره على جمل قصيرة جدًا، وعدم قدرته على المشاركة في حوار مع الآخرين.
البداية من طبيب الأطفال
ويشير د. جمال إلى أن رحلة التشخيص تبدأ بعرض الطفل على طبيب أطفال لإجراء الفحص العام، مع إجراء اختبار للسمع، خاصة أن ضعف السمع أحد الأسباب المهمة لتأخر الكلام.
وقد يحتاج الطفل إلى طبيب أنف وأذن وحنجرة لفحص الأذن واللحمية وغيرها من المشكلات التي قد تؤثر في السمع، ثم إلى أخصائي تخاطب لتقييم اللغة والفهم والتواصل.
وفي بعض الحالات، يكون من الضروري عرض الطفل على طبيب نفسي أو عصبي للأطفال، لتحديد ما إذا كان تأخر اللغة مرتبطًا باضطراب طيف التوحد أو تأخر النمو أو غير ذلك من المشكلات النمائية.
التدخل الفوري
ويحذر د. جمال من تجاهل بعض العلامات، ومنها غياب التواصل البصري، وعدم مشاركة الأطفال الآخرين في اللعب، والتراجع الشديد في مهارات التواصل بعد أن كان الطفل قد اكتسب بعض الكلمات، وفقدان بعض المهارات التي سبق أن اكتسبها، خاصة إذا صاحبتها أعراض أخرى مثل الحركات التكرارية أو التغيرات السلوكية الواضحة.
التدخل المبكر
ويؤكد د. جمال أهمية التدخل المبكر، مشيرًا إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال الذين يعانون تأخرًا بسيطًا في الكلام تتحسن حالتهم وتلحق بأقرانهم قبل سن المدرسة، خاصة مع اكتشاف السبب والتعامل معه مبكرًا.
ويشدد على أن التأخر الشديد أو وجود مشكلة أخرى مصاحبة، مثل ضعف السمع أو اضطرابات النمو، يحتاج إلى تقييم وعلاج متخصصين وعدم الاكتفاء بالانتظار.
مراكز حكومية بأسعار رمزية
وينصح د. جمال الأسر بعدم الانسياق وراء بعض المراكز الخاصة غير المتخصصة، مشيرًا إلى وجود جهات حكومية وجامعية تقدم خدمات التقييم والتخاطب بأسعار رمزية، من بينها معهد السمع والكلام بإمبابة، ومركز الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بجامعة عين شمس، ومركز التخاطب بكلية الطب بجامعة القاهرة، وعيادة التخاطب بمستشفى الدمرداش بجامعة عين شمس.
السمع أول خطوة
وتتفق الدكتورة سارة فوزي سلام، استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة، مع أهمية اكتشاف المشكلة مبكرًا، موضحة أن الطفل يولد وقدرة السمع لديه تمثل أساسًا مهمًا لاكتساب اللغة؛ فالأصوات والكلمات التي يسمعها تتراكم في ذاكرته، ويبدأ لاحقًا في استخدامها للتعبير.
وتوضح أن اكتساب اللغة يتأثر بالبيئة المحيطة بالطفل؛ ففي البداية يكون البكاء وسيلته الأساسية للتعبير، ثم يبدأ خلال الأشهر الأولى في إصدار أصوات مختلفة، قبل أن يبدأ في تكرار بعض المقاطع الصوتية، مثل «با» و«ما» و«دا»، ثم تتطور مهاراته تدريجيًا.
وتشير إلى أهمية فحوصات السمع المبكرة، ومتابعة استجابة الطفل للأصوات المحيطة به، لافتة إلى أن غياب الكلمات في عمر مبكر أو عدم استجابة الطفل للأصوات يستدعي استشارة الطبيب.
الحوار أهم من الشاشة
وتؤكد د. سارة أن البيئة المحيطة تلعب دورًا كبيرًا في اكتساب اللغة، فالطفل يحتاج إلى الحوار والتفاعل مع أفراد الأسرة، وليس مجرد الاستماع إلى أصوات من التلفزيون أو الهاتف.
وتحذر من ترك الطفل لساعات طويلة أمام الشاشات أو الألعاب الإلكترونية، خاصة إذا جاء ذلك على حساب التفاعل المباشر والحوار، كما تشدد على أهمية أن تتحدث الأم مع طفلها، وتحكي له القصص وتكررها بطريقة محببة، وأن تركز على اللغة التي يتحدث بها أفراد الأسرة، مع عدم استعجال الطفل أو الضغط عليه.
وتلفت إلى أن بعض الأطفال قد يتأثرون أيضًا بالمشكلات والخلافات الأسرية المستمرة، ما قد ينعكس على سلوكهم وتواصلهم.
العلاج بعد معرفة السبب
وتشير الدكتورة سلوى محمود، استشاري أمراض السمع والاتزان بمعهد السمع والكلام، إلى أن بعض حالات تأخر الكلام ترتبط بمشكلات في السمع، قد تكون بسيطة مثل التهابات الأذن أو تجمع السوائل خلف طبلة الأذن، لكنها إذا استمرت دون علاج مناسب قد تؤثر في اكتساب اللغة.
وقد يكون ضعف السمع وراثيًا أو مرتبطًا بتاريخ مرضي في الأسرة، كما يمكن أن يرتبط ببعض المشكلات التي تحدث أثناء الحمل أو الولادة، أو بعض الحالات التي يتعرض لها الطفل بعد الولادة.
وتوضح أن بعض الأطفال قد يولدون بقدرة سمع طبيعية، ثم تظهر لديهم مشكلة في السمع لاحقًا، لذلك لا يكفي إجراء الفحص في مرحلة واحدة، وإنما يجب متابعة تطور استجابة الطفل للأصوات والكلام.
فحوصات ضرورية
وتضيف د. سلوى أن حديثي الولادة يخضعون لفحوصات سمع مبكرة ضمن برامج الكشف، كما قد يحتاج بعض الأطفال إلى فحوصات تشخيصية أكثر دقة، خاصة إذا كانت لديهم عوامل خطورة أثناء الحمل أو الولادة.
وتنصح الأمهات بملاحظة استجابة الطفل للأصوات، فإذا لم يستجب للأصوات المحيطة به، خاصة الأصوات المرتفعة، أو لم يتطور كلامه بصورة طبيعية، فيجب مراجعة الطبيب وإجراء الفحوص اللازمة.
العلاج حسب الحالة
وتؤكد أن العلاج يختلف وفق سبب ضعف السمع؛ فقد يحتاج الطفل إلى سماعة طبية إلى جانب جلسات التخاطب، بينما قد تستدعي بعض العيوب الخلقية تدخلًا جراحيًا أو استخدام سماعات عظمية، وفي حالات ضعف السمع الشديد التي لا تستجيب للسماعات الطبية، يمكن تقييم الطفل لمعرفة مدى ملاءمته لزراعة القوقعة.
التوحد أحد أسباب التأخر
وتقول الدكتورة عزة سامي عبد الحكيم، استشاري أمراض التخاطب ورئيس قسم التخاطب بمعهد السمع والكلام، إن من أهم أسباب تأخر اللغة لدى الأطفال ضعف السمع، والتأخر العقلي، والبيئة الفقيرة لغويًا، إلى جانب بعض اضطرابات اللغة النوعية.
وتوضح أن الأم قد تلاحظ تأخر طفلها لغويًا في عمر مبكر، وهنا يجب التوجه إلى الطبيب المختص لمعرفة السبب، وقد يطلب الطبيب اختبارات للسمع والقدرات الذهنية، أو يحيل الطفل إلى طبيب نفسي للأطفال عند الحاجة.
وتؤكد أن اختلاط الطفل بغيره من الأطفال في الحضانة أو المدرسة يمكن أن يفيده اجتماعيًا، لكن إذا كان هناك اضطراب أو تأخر محدد فيجب الالتزام بالخطة العلاجية المناسبة، سواء كانت جلسات تخاطب أو تنمية مهارات أو تعديل سلوك.
فقد الكلمات
وتوضح د. عزة أن اضطراب طيف التوحد يشمل مجموعة من الاضطرابات النمائية، وقد تتفاوت أعراضه ودرجاته من طفل إلى آخر، ومن العلامات التي تستوجب التقييم ضعف التواصل اللفظي وغير اللفظي، وصعوبة التواصل الاجتماعي، وضعف الانتباه والتواصل البصري.
وقد يكتسب الطفل بعض الكلمات والمهارات اللغوية في البداية، ثم يفقد جزءًا منها لاحقًا، بالتزامن مع تغيرات في السلوك والتواصل، وهنا يصبح التقييم المتخصص ضروريًا.
وتشير إلى أن خطة العلاج تختلف بحسب حالة الطفل، وقد تشمل جلسات التخاطب وتنمية المهارات وتعديل السلوك والتأهيل الوظيفي، مع تقديم جلسات إرشاد للأسرة حتى تتمكن الأم والأب من دعم الطفل في المنزل.
لا تنتظري حتى يكبر
وفي النهاية، تظل الرسالة الأهم للأم هي عدم تجاهل تأخر الكلام، فالتأخر قد يكون بسيطًا، وقد يكون وراءه ضعف في السمع أو مشكلة لغوية أو نمائية تحتاج إلى تدخل متخصص، وكلما تم اكتشاف السبب مبكرًا، أصبحت فرصة وضع خطة مناسبة لمساعدة الطفل أكبر.
فالصمت ليس دائمًا مجرد تأخر في الكلام.. وأحيانًا يكون رسالة تحتاج من الأسرة أن تسمعها جيدًا.