سلسلة حياتك السعيدة المقال (43): حكمة الصمت.. كيف تبني وقارك بالترفّع عن الجدل؟

0 2

سنابل الأمل/ خاص


بقلم: الدكتور:

عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

ليس كل مقامٍ يقتضي مقالًا، ولا كل كلمةٍ تستحق أن تُقال؛ فالصمت في موضعه حكمة، والكلمة الطيبة في وقتها عبادة وأثر.

ومن أعظم ما يعين الإنسان على سعادته وسلامة قلبه ولسانه أن يتعلم متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترفع عن الجدل الذي لا ثمرة منه. قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

فحفظ اللسان ليس ضعفًا، والصمت عن اللغو ليس عجزًا، بل هو قوةٌ وضبطٌ للنفس، وسببٌ في حفظ الكرامة، وصيانة العلاقات، وراحة القلب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.

والصمت الحكيم لا يعني السكوت عن الحق، ولا ترك النصيحة، ولا الإعراض عن واجب؛ وإنما يعني أن يختار الإنسان كلماته بعناية، وأن يبتعد عن المراء والخصومة والجدل العقيم، وأن يجعل حديثه بابًا للإصلاح لا سببًا للخلاف.

تأملات (421–430)

421. الثقة بالله تعالى تُعين القلب على الثبات أمام تقلبات الحياة.
فالمؤمن يعلم أن الأمور كلها بيد الله تعالى، وأن ما قدره الله تعالى واقع بحكمته، فيسعى ويأخذ بالأسباب، ثم يتوكل على ربه، ولا يستسلم للخوف أو القلق.

422. الهدوء النفسي يعين على احتواء الغضب.
فإذا هدأ الإنسان قبل أن يتكلم، أمكنه أن يختار كلماته بعناية، وأن يتجنب ما يندم عليه. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

423. الرضا بقضاء الله تعالى يمنح القلب قوةً عند الفقد.
فالمؤمن يحزن ويفتقد، لكنه يحتسب ويصبر، ويوقن أن الله تعالى حكيم رحيم، وأن الصبر والاحتساب من أبواب الأجر العظيم.

424. شكر النعمة يحفظ القلب من التفاخر بها.
فالنعمة من الله تعالى، وشكرها يكون بالاعتراف بفضل الله تعالى واستعمالها فيما يرضيه، مع البعد عن الكبر والتعالي على الآخرين. قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

425. القرب من الله تعالى يُصلح القلب ويهذب السلوك.
ومن أصلح ما بينه وبين الله تعالى، انعكس ذلك على أخلاقه وتعاملاته مع الناس؛ فالمحبة والقبول بيد الله تعالى، ولا ينبغي للإنسان أن يطلبها بالتكلف، وإنما يسعى إلى الصلاح وحسن الخلق.

426. إخلاص النية في الإصلاح يعين على جمع القلوب.
فمن أراد الإصلاح بين الناس فليجعل قصده الخير، وليتحرَّ الحكمة والعدل، وليبتعد عن نقل الكلام وتأجيج الخلاف؛ قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].

427. شكر الله تعالى يغيّر نظرة الإنسان إلى ما يملك.
فبدل أن ينشغل بما فقد، يتأمل ما أنعم الله تعالى به عليه، ويستحضر فضله، ويحمده على نعمه الظاهرة والباطنة؛ فالشكر يورث القناعة، والقناعة من أسباب طيب الحياة.

428. الوعي بالله تعالى يهذب أسلوب النقد والنصيحة.
فليس المقصود من النصيحة إظهار أخطاء الآخرين، وإنما إرادة الخير لهم، ولهذا كانت الحكمة والرفق والستر من أجمل ما يزين النصيحة، مع الالتزام بالحق والعدل.

429. من أجمل صور السعادة جبر خاطر المحتاج ومساعدة الضعيف.
فالإحسان إلى الناس، وتفريج كرباتهم، وإدخال السرور إلى قلوبهم من الأعمال الصالحة التي يؤجر عليها المسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» رواه مسلم.

430. قد تحمل المصائب دروسًا ومنحًا لا يدركها الإنسان في بدايتها.
فليس كل ما يؤلمنا شرًا، وليس كل ما نتمناه خيرًا لنا؛ والمؤمن يحسن الظن بالله تعالى، ويصبر على البلاء، ويأخذ بالأسباب، ويسأل الله تعالى العافية والفرج والخير، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

خاتمة المقال

إن حكمة الصمت ليست في كثرة السكوت، وإنما في حسن الاختيار؛ أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترفع عن جدالٍ لا يزيد الحق وضوحًا ولا القلوب صفاءً.

اجعل لسانك عامرًا بذكر الله تعالى، وكلامك طيبًا، ونصيحتك رحيمة، وصمتك حكيمًا، ولا تجعل كل كلمة تُقال لك تستحق جوابًا؛ فبعض المواقف يكون التجاوز عنها أبلغ من الرد، وبعض الجدال يكون تركه سلامةً للدين والقلب والعلاقة.

وتذكّر أن السعادة لا تعني خلو الحياة من المشكلات، وإنما تعني أن تمتلك من الإيمان والحكمة وحسن التعامل ما يعينك على تجاوزها بطمأنينة واحتساب.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم سلامة الصدر، وحسن القول، وحفظ اللسان، وحكمة الصمت، وطيب الأخلاق، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وأن يرزقنا السكينة والرضا والتوفيق في الدنيا والآخرة.

ونلتقي بكم يوم الإثنين القادم بإذن الله تعالى في مقال جديد من سلسلة «حياتك السعيدة».

#حياتك_السعيدة
#الدكتور_عثمان

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق