عُمان | راشد الشهومي يكتب: أبناء ذوي الإعاقة.. مستقبل ينتظر

سنابل الأمل/ متابعات
هناك أبناء وبنات يبدأون حياتهم الدراسية وهم يحملون على عاتقهم مسؤوليات قد لا يشعر بها كثيرون، وراء كل طالب أسرة تسعى إلى توفير احتياجاته المدرسية، من مستلزمات وكتب وملابس ومواصلات ودروس وغيرها، ومع الانتقال من مرحلة تعليمية إلى أخرى تتزايد المتطلبات وتكبر معها المسؤوليات والأعباء المالية.
لكن ماذا لو كان رب هذه الأسرة شخصاً من الأشخاص ذوي الإعاقة؟ ماذا لو كان هذا الأب متقاعداً بدخل محدود، أو غير قادر على العمل بسبب إعاقته، ولديه أبناء وبنات يواصلون تعليمهم ويحتاجون إلى الرعاية والإنفاق حتى يكملوا مسيرتهم التعليمية؟ هنا تصبح الصورة مختلفة تمامًا. حيث المسؤولية تتجاوز القدرة المالية.
إن تعليم الأبناء ليس مجرد سنوات دراسية تنتهي بانتهاء العام، وإنما رحلة طويلة تبدأ من المرحلة الابتدائية، ثم الإعدادية والثانوية، وصولا إلى التعليم العالي من جامعات وكليات وتخصصات مختلفة. وفي كل مرحلة ترتفع الاحتياجات والتكاليف.
والأسرة التي تعيش في ظروف مالية مستقرة قد تجد صعوبة في بعض المراحل، فما بالك بأسرة يكون عائلها شخصاً من الأشخاص ذوي الإعاقة، وقد يكون متقاعدا أو لا يعمل، ودخله محدود، بينما يحتاج أبناؤه إلى مصاريف متواصلة حتى يتمكنوا من إكمال تعليمهم.!! الأمر لا يتوقف عند الجانب المالي وحده، فقد يكون أحد الأبناء أو البنات سندًا لوالده أو والدته في المنزل، ومساعدته في قضاء بعض احتياجاته اليومية، أو مرافقته للمستشفى، أو القيام بشؤون المنزل ، هذا واجب إنساني وأسري نبيل، ولا ينبغي أن ينظر إليه الابن على أنه عبء، لكنه في الوقت ذاته مسؤولية إضافية تتطلب جهدًا ووقتا وصبرًا.
وهنا يصبح الابن أو الابنة أمام مسؤوليتين متزامنتين: مسؤولية الدراسة وبناء المستقبل، ومسؤولية الوقوف إلى جانب والد أو والدة من الأشخاص ذوي الإعاقة.
عندما يصل الابن إلى التعليم العالي بعد انتهاء المرحلة الثانوية، تبدأ مرحلة جديدة تكون فيها الأعباء والمسؤوليات أكبر. فالالتحاق بالجامعة أو الكلية قد يعني رسوما دراسية أو مصاريف سكن ونقل ، واحتياجات خاصة ما بين التعليم والمعيشة ، بحسب مكان الدراسة والتخصص.
وفي سبيل أن يرى بعض الآباء أبناءهم يكملون تعليمهم، بذلوا كل ما يستطيعون، بل اضطر البعض إلى الاقتراض من البنوك وتحمل التزامات مالية طويلة، حتى لا يقف المال عائقا أمام مستقبل أبنائهم.
من هنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده:
أليس من الإنصاف أن تكون هناك نظرة استثنائية لأبناء وبنات الأشخاص ذوي الإعاقة عند التوظيف؟ ولا نقصد بذلك أن تؤخذ حقوق الآخرين، ولا أن تفتح أبواب التوظيف بلا ضوابط، ولا أن يكون الأمر على حساب الكفاءة والاستحقاق، وإنما نتحدث عن أولوية مدروسة ومنظمة، تراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية لهذه الأسر، وتمنح أبناء الأشخاص ذوي الإعاقة فرصة عادلة في المنافسة على الوظائف، متى ما توافرت فيهم المؤهلات والشروط المطلوبة فهؤلاء الأبناء لم يختاروا ظروف أسرهم، ولم يختاروا أن يكون والدهم أو والدتهم من الأشخاص ذوي الإعاقة. لكنهم عاشوا تلك الظروف، وتحملوا معهم مسؤوليات ربما لا يتحملها غيرهم. والإنصاف لا ينتقص من حقوق الآخرين.
إن المطالبة بأولوية التوظيف لأبناء الأشخاص ذوي الإعاقة لا تعني إقصاء الآخرين، وإنما تعني النظر إلى الحالات الإنسانية والاجتماعية بعين مختلفة، ووضع ضوابط واضحة تحقق التوازن بين حق المتقدم في الوظيفة وحق المجتمع في الكفاءة والاستحقاق.
إذا كان الابن قد اجتهد في دراسته، وحصل على مؤهل، واستوفى شروط الوظيفة، فلماذا لا تكون ظروف أسرته عاملا يؤخذ في الاعتبار عند المفاضلة؟ ولماذا لا تكون هناك آلية واضحة تتيح لهذه الفئة فرصة أفضل في الحصول على وظيفة تساعدها على بناء مستقبلها، وتخفف في الوقت ذاته من الأعباء التي تحملتها الأسرة سنوات طويلة؟
إن أبناء الأشخاص ذوي الإعاقة هم أيضا أبناء هذا الوطن، درسوا وتعلموا، وتحمل آباؤهم الكثير من أجل أن يصلوا إلى هذه المرحلة، وهم اليوم يريدون أن يردوا الجميل لوطنهم من خلال العمل والمساهمة في بنائه وخدمته.
كلمة إلى أصحاب القرار: نحن لا نطلب امتيازا بلا سبب، ولا نطالب بإلغاء مبدأ تكافؤ الفرص. بل نطرح قضية اجتماعية وإنسانية تستحق الدراسة. كما أن هناك فئات وظروف اجتماعية خاصة تراعيها الأنظمة في بعض المجالات، فإن أبناء الأشخاص ذوي الإعاقة يستحقون أيضا أن ينظر إلى ظروف أسرهم بعين الاعتبار، وأن تدرس إمكانية منحهم أولوية أو ميزة تنافسية في التوظيف وفق ضوابط واضحة وعادلة ، قد تكون هذه الخطوة بالنسبة للجهة المعنية مجرد قرار أو تنظيم، لكنها بالنسبة لأسرة شخص من ذوي الإعاقة قد تعني الكثير ، قد تعني دخلًا يساعد الأسرة ، وقد تعني مستقبلا أكثر استقرارًا لابن أو ابنة طالما وقفوا إلى جانب والدهم أو والدتهم ، وقد تعني أيضا أن الجهد الذي بذله الأب أو الأم طوال سنوات لم يذهب سدى.
فالله الله في هؤلاء الأبناء وآبائهم. فإنصافهم لا يعني ظلم غيرهم، ومراعاة ظروفهم لا تعني إلغاء الكفاءة، وإنما تعني أن ننظر إلى الإنسان بكل ظروفه، لا إلى مؤهله فقط.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحا أمام أصحاب القرار والمجتمع: أليس من الإنصاف أن يكون لأبناء وبنات الأشخاص ذوي الإعاقة نصيب من الأولوية في التوظيف، وفق ضوابط تحفظ حقوق الجميع وتراعي ظروف هذه الأسر؟ إنها ليست مطالبة بالاستثناء من أجل الاستثناء، وإنما دعوة إلى إنصاف أسرة تحملت الكثير، وأبناء تعلموا وكافحوا، ويريدون اليوم أن يساهموا في بناء وطنهم الذي ينتمون إليه.