سلسلة قضاء حوائج الناس.. عبادة تصنع الأثر ( المقال الأول )

0 2

سنابل الأمل/ خاص

بقلم: الدكتور:

عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

تظلُّ خدمة الناس والسعي في قضاء حوائجهم من أنبل أبواب الخير، وأجمل صور الإحسان، وأعظم الميادين التي يظهر فيها صدق الإنسان ورقي أخلاقه؛ فكم من إنسان أثقلت كاهله الهموم، وأُغلقت أمامه أبواب الحلول، ثم جاءه — بعد توفيق الله تعالى — من يمد له يد العون، أو يفتح أمامه بابًا للأمل، أو يسعى في تيسير أمره؛ فتتغير حياته، وتعود إلى قلبه الطمأنينة.
إن قضاء الحوائج ليس مفهومًا ضيقًا يقتصر على بذل المال كما يظن بعض الناس، بل هو ثقافة إنسانية واسعة تتسع دائرته لتشمل الكلمة الطيبة، والنصيحة الصادقة، والشفاعة الحسنة، وتعليم الجاهل، وإرشاد الحائر، ومساندة المريض، ومساعدة كبار السن، وتمكين ذوي الإعاقة، والوقوف إلى جانب كل إنسان يحتاج إلى عون مشروع يحفظ كرامته ويصون حقوقه. وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا الأصل الإنساني العظيم في التعاون على الخير، فقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وهي آية تؤسس لثقافة مجتمعية تقوم على التكافل والتضامن، وتجعل خدمة الإنسان مسؤولية أخلاقية تتجاوز حدود المصلحة الشخصية إلى رحابة النفع العام.
ومن المهم في هذا السياق أن ندرك أن قضاء الحوائج لا يتحقق بمجرد تقديم مساعدة عابرة، بل يتطلب فهمًا عميقًا للاحتياج الحقيقي للمستفيد، واحترامًا لخصوصيته، وحفظًا لكرامته، واختيارًا للوسيلة الأكثر ملاءمة لمعالجة مشكلته؛ فقد تكون المساعدة المالية ضرورية في موقف، بينما يكون التوجيه، أو التدريب، أو توفير فرصة عمل هو الحل الأجدى في موقف آخر. وهنا تبرز قيمة الإحسان الواعي؛ إذ ليس الهدف أن نخفف معاناة الإنسان اليوم فحسب، بل أن نسهم — متى أمكن — في بناء قدرته على مواجهة تحديات الغد، فالمعروف الذي ينتهي أثره بانتهاء المساعدة خير، أما المعروف الذي يفتح أبواب الاستقلال والتمكين فهو أثر يمتد نفعه إلى الفرد وأسرته ومجتمعه.
ولا ينبغي لمن يسعى في قضاء حوائج الناس أن ينتظر ثناءً أو شهرة، أو يجعل مساعدته وسيلة للمنّ والتذكير بالفضل؛ فكرامة الإنسان أمانة، والإخلاص روح العمل، والكلمة التي تصون مشاعر المحتاج قد تكون أبلغ أثرًا من عطاء مادي يصاحبه جرح أو إحراج. وهذه المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتق الجميع؛ إذ يمكن لكل فرد أن يبدأ من محيطه القريب بالتفقد والبر لوالديه وأقاربه وجيرانه، والسؤال عن المريض، ومساندة الأسرة التي تمر بظرف صعب، ومساعدة الطالب في طريق نجاحه، وتقديم الخبرة لمن يحتاجها. كما تتكامل المؤسسات مع هذا الدور بتحويل هذه المعاني النبيلة إلى برامج منظمة بأهداف واضحة، وشراكات فاعلة، ومؤشرات تقيس حجم النفع الحقيقي الملموس.
إن المجتمعات الإنسانية لا تقوى بما تملكه من إمكانات مادية فحسب، بل بما تنشئه من روابط الثقة والرحمة والتعاون، وكلما أصبح قضاء الحوائج ثقافة راسخة، قلَّت العزلة، وتعززت المسؤولية المشتركة، واتسعت مساحات الأمل بين البشر. فلنجعل من قضاء حوائج الناس منهج حياة، نبتغي به رضا الله تعالى، ونصون به كرامة الإنسان، ونحوّل به مشاعر الرحمة إلى أعمال نافعة، والمبادرات العابرة إلى آثار مستدامة؛ فالمعروف قد يبدأ بخطوة صغيرة، لكنه يترك في حياة إنسان أثرًا لا تمحوه الأعوام.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا مفاتيح للخير، وأن يعيننا على نفع عباده، وأن يبارك في كل يد تمتد بالإحسان، وأن يديم على وطننا المملكة العربية السعودية أمنه ورخاءه وازدهاره، ويحفظ قيادته وشعبه والمقيمين على أرض الحرمين الشريفين، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق