ثارت أسئلة الدعم والإدماج .. ندوة بخنيفرة تناقش مكانة ذوي الاعاقة في السياسات العمومية بين الخطاب والتنزيل

سنابل الأمل / متابعات

أوصى المشاركون في ندوة «السياسات العمومية المحلية: أي مكانة لذوي الإعاقة في صنع القرار»، التي تم تنظيمها في خنيفرة، بـ «ضرورة انفتاح المؤسسات العمومية على الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة، ومنحها موقعا مبدئيا، بما يضمن لها وضع شريك فعلي ومؤثر»، كما شددوا على «أهمية أن يكون عمل الجمعيات معروفا ومحددا لدى مختلف رؤساء الأقسام والمصالح المعنية، حتى لا تظل زياراتها شكلية، ودون تشخيص دقيق لأوجه النقص وسبل تطويرها» مقابل التأكيد على أن «الجمعيات لا تعد بديلا عن عمل الدولة، بل شريكا أساسيا».

ودعت التوصيات أيضا إلى «إدماج الجمعيات في دوائر صنع القرار، وتعزيز التمويل والدعم التقني، والاستثمار في الموارد البشرية، إلى جانب تقوية التنسيق القطاعي، وتعزيز الولوجيات»، كما تم التأكيد على ضرورة الانتقال من المقاربة الإحسانية إلى المقاربة الحقوقية»، و»إدراج آليات للتقييم وتقنين تدخلات الجمعيات والمراكز المتخصصة، بما يسمح بقياس أثرها على حياة المستفيدين وأسرهم»، و»الانفتاح على المجتمع والسعي إلى تكوينه يقتضي، في المقابل، تحمل جميع مكونات المجتمع لمسؤوليتها كشركاء في تعزيز الوعي بقضايا الإعاقة».

 

في الحاجة إلى تعميق النقاش

 

وقد احتضن «المركز الثقافي أبو القاسم الزياني»، بخنيفرة، مساء الجمعة 9 يناير 2025، هذه الندوة الفكرية والحقوقية، من تنظيم «جمعية أنير للتنمية النسوية والتكافل الاجتماعي»، بتنسيق مع «جمعية رفيق لذوي اضطراب التوحد»، بمشاركة كل من الأساتذو. إدريس فرحات، حطاب الساعيد، نهيلة دودو، مع تسيير الفاعل المدني والثقافي ذ. محمد عياش، وذلك في إطار انخراط المجتمع المدني في فتح نقاش علمي تجاه الأشخاص في وضعية إعاقة، وحقوقهم وانتظاراتهم وموقعهم بالسياسات العمومية.

الندوة التي جرت في حضور متميز جمع عدد من الأشخاص في وضعية إعاقة وتوحد، وذوي وأمهات بعضهم، ونخبة من الجمعويين والمهتمين والأطر الفاعلة في المجال، انكبت في أوراقها ومداخلاتها ونقاشاتها على تصورات ومطالب عملية وترافعية، تروم تكريس مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص وعدم التمييز وتمكين هذه الفئة من الولوج العادل إلى الخدمات، وأجرأة الالتزامات والمعاهدات ذات الصلة ضمن مقاربة قانونية وحقوقية تسير بثبات في اتجاه تحقيق العدالة والكرامة والمساواة في الحقوق.

مسير الندوة، ذ. محمد عياش، بعد وضعه الحضور في دلالة وصميم اللقاء، وسياقه وأهدافه ورهاناته الحقوقية والمجتمعية، استحضر نموذج الإنسانة ميمونة بجات، التي شكلت مثالا ملهما في تحدي الإعاقة، بعد تمكنها من نيل شهادة الماستر وولوج ميدان التدريس بسلك التعليم الثانوي، باعتبارها صورة دالة على قدرة الإرادة على كسر الحواجز، فيما لم يفت عياش، بين مداخلة وأخرى، التوقف عند العلاقة الوثيقة بين الحداثة والديمقراطية، ومدى ارتباطهما بمستوى اهتمام الدولة بالأشخاص في وضعية إعاقة.

وزاد عياش فأكد أن النهوض بأوضاع هذه الفئة يظل مؤشرا حقيقيا على تطور السياسات العمومية، كما دعا إلى ضرورة تكثيف الترافع والتشبيك بين الجمعيات ذات التخصص المشترك، والاشتغال على مشاريع قادرة على إحداث أثر فعلي ومستدام في مسار الإدماج والتمكين، دون أن يفوت مدير المركز الثقافي أبو القاسم الزياني، ذ. حسن بلكبير، التقدم بكلمة أشار فيها لما تشكله الثقافة في بناء الثقة في الذات، متوقفا عند أهمية الندوة في تعزيز حضور الأشخاص في وضعية إعاقة في الحياة الثقافية والسياسات العمومية.

وبينما اختارت الجمعية المنظمة تمثيل الأشخاص في وضعية إعاقة في شخص الشاب الطموح، رضا مفتاح، الذي أُعطيت له الكلمة من على المنصة، وتحدث بنبرة ممزوجة بالتأسف على وضعية هذه الفئة، داعيا إلى النهوض بها اجتماعيا وحقوقيا، ذلك قبل أن تحرص رئيسة «جمعية أنير للتنمية النسوية والتكافل الاجتماعي»، ذة. فتيحة حروش، على إبراز أهمية انخراط جمعيات المجتمع المدني في النهوض بحقوق وانتظارات الأشخاص في وضعية إعاقة، معتبرة أن هذا الانخراط مسؤولية تفرضها التحولات الحقوقية والتزامات الدولة في هذا المجال.

وأوضحت حروش أن اختيار موضوع السياسات العمومية المحلية وعلاقتها بهذه الفئة يعكس ما يشغل الرأي العام، ويستجيب لحاجة ملحة إلى تعميق النقاش حول الأدوار المنوطة بالمؤسسات العمومية في ما يتعلق بضمان الإدماج والمشاركة الفعلية، كما أكدت أن هذه الفئة لا تحتاج فقط إلى الرعاية أو المقاربات الإحسانية، بقدر ما تحتاج إلى مهتمين وشركاء حقيقيين في التنمية، وإلى كفاءات قادرة على صياغة سياسات عمومية قائمة على الالتزام الحقوقي، بما يضمن للأشخاص في وضعية إعاقة مشاركة كاملة ومتكافئة في مختلف مناحي الحياة.

 

مراحل الإعاقة والتوازن النفسي

 

من جهته، انطلق الباحث في الدراسات السياسية والدينية، ذ. إدريس فرحات، في ورقته المعنونة ب «الوصم الاجتماعي وأثره على التوازن النفسي» من تفصيل مراحل الإعاقة وما يصاحبها من أزمات نفسية واجتماعية، وعلاقتها بالثقة في النفس وبالتفاعل مع الأسرة، وبالأمل كمدخل أساسي لمواجهة التحديات والصعاب والمغامرات الحياتية، مبرزا أن الطفل يدرك فردانيته وعالمه الخاص ورأيه، حتى وإن عبر عن ذلك أحيانا بأساليب من قبيل الابتزاز العاطفي، باعتباره جزء من تشكل الوعي بالذات.

ومن خلال استحضاره لنظريات وكتابات عدد من المفكرين العالميين، من بينهم نيتشه، توقف إدريس فرحات كثيرا عند مفهوم القدرة لدى هذا الطفل، ورغبته في ولوج مرحلة الاستقلالية واكتشاف إمكاناته، وما يرافق ذلك من أسئلة وجودية تستوجب من الأسرة، خاصة، تقديم الأجوبة والدعم اللازمين، كما شدد على ما يقع على عاتق الأم من أدوار ومهام، حتى تكون في مستوى نفسية الطفل إلى آخر مرحلة من الطفولة، تفاديا لأي انقسام نفسي أو فقدان للتمييز بين الخير والشر.

وبينما تطرق كذلك إلى الإحباط باعتباره مولدا للعنف والألم والعزلة، وما قد يترتب عنه من اختلالات في السلوك والتوازن النفسي، استحضر فرحات مفهوم «الإنسان الأعلى»، ورغبة الإنسان في إخراج ما يريده انطلاقًا مما يحمله كل فرد من قوة داخلية ووعي فردي وجماعي، متسائلا عن اللحظة التي يصبح فيها الإنسان سجين أفكاره، وفي ختام مداخلته، دعا المتدخل إلى ضرورة الإنصات إلى المتخصصين في مجال الإعاقة، بدل الانسياق وراء الأقوال المهزوزة والعشوائية المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص ما يتعلق بالإعاقة واضطراب التوحد.

 

الالتزام القانوني وإكراهات التنزيل

 

وبدوره، شارك الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، ذ. حطاب الساعيد، بمداخلة موسومة بـ «السياسات العمومية المحلية للأشخاص في وضعية إعاقة على ضوء الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية: الالتزام القانوني وإكراهات التنزيل»، انطلق فيها من مدى التزام المغرب بالاتفاقيات والمبادئ الدولية، والمرجعيات الدستورية التي صادق عليها في ما يخص حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، مشيرا إلى عدد من الفصول القانونية المرتبطة بهذه الفئة، خاصة في مجالات الحقوق والعدالة والمساواة.

وتوقف الساعيد عند الدور المنوط بالجماعات الترابية، وما يفترض أن تضطلع به في هذا المجال، متناولا الإشكال القائم بين الخطاب والممارسة، وبين الالتزام المعلن والتنزيل الفعلي على أرض الواقع، وركز المتدخل على ما وصفه بـ «التدخلات المحتشمة» و»الميزانيات الهزيلة» المخصصة للجمعيات المعنية بتدبير شؤون الفئة المذكورة ، معتبرا أنها لا تعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق هذه الجمعيات، خاصة إذا ما قورنت بما يصرف على جمعيات معينة أو مهرجانات معروفة، دون ترتيب واضح للأولويات.

كما أشار حطاب الساعيد إلى حالات إقصاء الأشخاص في وضعية إعاقة من دوائر اتخاذ القرار، مع حصر الاهتمام بهم في مناسبات ظرفية، واصفًا هذا السلوك بما سماه «التحكم النخبوي»، ومبرزا غياب رؤية واضحة تضمن لهم حق المواطنة الكاملة، وعلى مستوى التشغيل، شدد المتدخل على أن توظيف الأشخاص في وضعية إعاقة لا يعد عبئا، بل اعترافًا بحقهم في الاندماج والمساواة دون أي شكل من أشكال التمييز، داعيا في ختام مداخلته إلى ضرورة دعم هذه الفئة ودعم حقوقها على أسس قانونية ومجتمعية عادلة.

 

استراتيجيات التكفل وواقع الميدان

 

أما الاختصاصية النفسية ورئيسة «جمعية رفيق لذوي اضطراب التوحد»، ذة. نهيلة دودو، فجاءت مشاركتها بورقة تحت عنوان: «استراتيجيات التكفل بالأشخاص في وضعية إعاقة بالمراكز المتخصصة بين الواقع الفردي والسياسات العمومية»، أكدت من خلالها أن الإعاقة تندرج ضمن صميم حقوق الإنسان، وتشكل أحد الرهانات الأساسية بالمغرب لضمان حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، متخذة المتدخلة من جمعيتها نموذجا للجمعيات الفاعلة والمتخصصة في هذا المجال، مبرزة مهامها في المواكبة الأسرية والدعم النفسي والترافع وفق المقاربة الحقوقية.

وسلطت دودو الضوء على الجهود التي تبذلها الجمعية في العمل الميداني مع الفئة المعنية، مؤكدة أن هذا الاشتغال يتطلب فريقًا متكاملا ومتعدد التخصصات، كما شددت على أهمية الدور التشاركي والاستراتيجي، وعلى ضرورة اهتمام المؤسسات العمومية بهذا المجال، بما يضمن استمرارية الخدمات وجودتها، وفي سياق آخر، لم يفت المتدخلة التطرق إلى بعض الممارسات المرتبطة بالتقاليد والعادات غير العلمية، من قبيل اللجوء إلى الأدوية الشعبية والخرافات المختلفة في علاج اضطراب التوحد.

وتوقفت دودو عند إشكالية الخصاص في الموارد البشرية والمالية، وهزالة المنح المخصصة للمراكز والجمعيات المتخصصة، معتبرة ذلك تهديدا يوميا بالأزمة والإغلاق، ودعت في هذا الإطار إلى ضرورة التشبيك والتنسيق بين الجمعيات المتخصصة، وبينها وبين المؤسسات التعليمية والإدارية، كما حثت المجتمع المدني على الانفتاح على هذه الجمعيات ودعمها، وأكدت بالتالي على أهمية تعزيز المؤسسات بالولوجيات الضرورية، بما يضمن كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة وحقهم في الاستفادة من خدمات ملائمة وعادلة.

 

مناقشة الانتظارات والمقترحات

 

ومن خلال المناقشة العامة، ساهم الحضور بعدد من التصورات والمقترحات، من بينهم أشخاص في وضعية إعاقة بصرية وجسدية، إلى جانب مهتمين وفاعلين مدنيين، حيث تمت الدعوة في هذا الإطار إلى حث المجتمع المدني على تكثيف إيصال ملف هذه الفئة إلى البرلمان والمجالس المنتخبة، مع التفكير مستقبلا في تنظيم لقاءات يشارك فيها الأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم، بدل الاكتفاء بإشراك من ينوب عنهم، كما جرى استحضار جهود الدولة والجمعيات المتخصصة في هذا المجال، مقابل الإشارة إلى هزالة المنح والميزانيات المخصصة.

واستحضرت النقاشات معاناة الأشخاص في وضعية إعاقة داخل طوابير الإدارات، وغياب لجان تضطلع بأدوار أساسية في التتبع والمواكبة، إلى جانب إشكالية ضعف نسب التشغيل، وما يشكله ذلك من تقزيم لحق هذه الفئة في العمل، فضلا عن غياب التواصل والتفاهم على مستوى الخدمات الأساسية، وضعف اتفاقيات الشراكة، كما أُثير موضوع غياب ملاعب وتجهيزات رياضية مخصصة للأشخاص في وضعية إعاقة، وللمكفوفين الذين تألقوا في رياضة كرة الهدف مثلا، علاوة على تعثر إدماج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في المجالين الرياضي والتربوي.

وحضر بقوة الحديث عن معاناة أمهات الأطفال المصابين باضطراب التوحد، إلى جانب الإشارة إلى ضعف الدعم الذي يتلقاه المتخصصون العاملون داخل الجمعيات، ما يدفع ببعضهم إلى الانسحاب والبحث عن فرص شغل تضمن لهم الاستقرار المعيشي، وفي ختام المناقشة، جرى تقديم مقترح، من طرف المفتش التربوي ذ. محمد الراجي، يقضي بتنظيم منافسة كروية إقليمية خاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة خلال الأشهر المقبلة، على أن تنظَّم في موعد أقصاه شهر أبريل القادم.

 

 

Comments (0)
Add Comment