ذوو الإعاقة في غزة يواجهون حصارًا مزدوجًا بين الحرب والأزمة الاقتصادية

سنابل الأمل / متابعات

في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة يجلس الشاب نسيم وادي (28 عامًا) على كرسي متحرك أمام خيمته، لأنّه يعاني من إعاقة حركية نتيجة تعرّضه لحادث سير منذ طفولته، ويعيش اليوم واقعًا مُركّبًا من الفقر والبطالة وانعدام البنية التحتية الملائمة، ورغم محاولاته المستمرة للاندماج في سوق العمل، إلا أنّ الظروف المحيطة به كانت كما يقول أقوى من أيّ جهد فردي.

 

يبدأ حديثه بصوت هادئ لكنّه مثقل بالتجربة: “أشعر بأنّ المشكلة ليست في الإعاقة نفسها، بل في الحياة التي تبنى كأننا غير موجودين، فالحرب في غزة لا تقتل فقط، بل تعيد تشكيل كل شيء بطريقة تجعلنا نحن ـ ذوي الإعاقة ـ في آخر قائمة الاهتمام، وخارجها تمامًا”.

 

وقد ناضل ذوو الإعاقة قبل الحرب على غزة لنيل حصتهم القانونية المحددة بنسبة 5% من فرص العمل، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام معدلات بطالة تقارب 90%، في ظل خراب واسع أصاب البنية التحتية، وغياب شبه تام لمبادئ الإنصاف في برامج التشغيل الطارئة.

 

ووفق معطيات منظمة الصحة العالمية، يُقدّر عدد من يعانون من إصابات جسيمة “تُعدّ مغيّرة للحياة وتتطلب تأهيلًا مستمرًا طويل الأمد” بنحو 42 ألفًا.

 

وذكرت المنظمة أنّ الأنواع الأكثر انتشارًا من الإصابات الجسيمة المغيرة للحياة إصابات الأطراف المعقدة، والبتر، والحروق، وإصابات الحبل الشوكي، والدماغ، والصدمات الشديدة التي تؤدي إلى فقدان دائم لوظائف الحركة أو الإحساس.

 

وأضافت المنظمة أنّ عدد الإصابات الكبرى في الأطراف يتجاوز 22 ألفًا، بينهم أكثر من 5 آلاف حالة بتر، وأكثر من 3400 حالة حروق كبرى، وأكثر من 200 إصابة في الحبل الشوكي.

 

وتفيد المعطيات بأنّ ربع المصابين بإصابات جسيمة أطفال، ويُقدّر عددهم بنحو 10 آلاف طفل، مشيرة إلى انخفاض مستوى خدمات إعادة التأهيل بنسبة 62% نتيجة الدمار ونقص المعدات في القطاع.

 

عزلة تتعمق مع كل حرب

 

يتوقف وادي قليلًا ثم يقول: “في كل مرة يحدث تصعيد عسكري إسرائيلي لا أفكر فقط في القصف أو الخوف، بل أفكر في ما بعده، في كيف سأتنقل، وكيف سأبحث عن عمل، وكيف سأحافظ على أبسط حقوقي في الحركة والاعتماد على نفسي، فالحرب عندنا لا تنتهي بانتهاء القصف”.

 

ويصف الواقع الاقتصادي في غزة بأنّه “اقتصاد مغلق على نفسه، حيث تتضاءل فرص العمل حتى بالنسبة إلى الأشخاص الأصحاء، بينما تصبح شبه معدومة لذوي الإعاقة الذين يحتاجون إلى بيئة عمل مهيأة ودعم لوجستي واجتماعي”.

 

ويتابع: “قد تجد فرصة عمل بسيطة، لكنك تصطدم بالواقع فورًا، فالمواصلات غير مهيأة، والطرق مدمرة وغير مناسبة للكراسي المتحركة، حتى الوصول إلى مكان العمل يكلف أكثر ممّا يمكن أن أتحمل، وفي النهاية تتكرر النتيجة نفسها، الاعتذار عن العمل قبل أن أبدأ”.

 

ويكمل: “المشكلة ليست فقط في العمل، بل في دورة الحياة كلها، العلاج مكلف، التنقل مكلف، وحتى الخروج من الخيمة إلى مكان ما يحتاج تخطيطًا كأنّه رحلة طويلة، وفي هذه الظروف يصبح الاعتماد على الأسرة هو الخيار الوحيد، رغم أنّ الأسرة نفسها تعاني من الفقر”.

 

ولا تقتصر معاناة ذوي الإعاقة على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى عزلة اجتماعية ونفسية تتفاقم مع استمرار الأزمات، ويوضح: “هناك أيام تمرّ علي لا أخرج فيها إطلاقًا، ليس لأنني لا أريد، بل لأنّ الخروج بحدّ ذاته معركة، وإذا لم يكن هناك من يساعدني، أو إذا كانت الطرق غير آمنة أو غير مهيأة، فإنني أفضل البقاء داخل الخيمة على مواجهة شعور العجز في الخارج”.

 

غياب الدعم وتراجع الأولويات

 

ويبين وادي: “مع الوقت تبدأ تشعر بأنك خارج الحياة الاجتماعية، فالناس تتحرك، تعمل، تسافر، بينما أنت عالق في مساحة صغيرة جدًا، وهذا الإحساس بالعزلة أصعب من أيّ شيء آخر”.

 

ويواصل: “قبل الحرب كنت أعتقد أنّ الإعاقة هي تحدٍّ شخصي، أمّا اليوم فإنني أراها بشكل مختلف، فالإعاقة تصبح أكبر بكثير عندما تعيش في بيئة لا تراعي وجودك أصلًا، وفي غزة نحن لا نواجه الإعاقة فقط، بل نواجه غياب البنية التي تسمح لنا بالعيش”.

 

ويضيف: “أشعر بأنني أعيش في سجن غير مرئي، ليس هناك جدران، وإنّما هناك قيود في كل اتجاه؛ اقتصاد، ومواصلات، وفرص، وحتى نظرة المجتمع”.

 

ويوضح: “المؤسسات التي كانت تقدّم دعمًا لذوي الإعاقة تأثرت بشكل كبير خلال فترات التصعيد، بسبب توقف التمويل وانشغالها بالإغاثة الطارئة، ممّا جعل قضايا ذوي الإعاقة في مرتبة ثانوية”.

 

ورغم قسوة الواقع يحاول التمسك ببعض الأمل، ولو كان محدودًا، ويختم حديثه قائلًا: “نحن لا نحتاج إلى الشفقة، بل إلى بيئة عادلة، إذا توفرت العدالة، فستصبح الإعاقة جزءًا بسيطًا من الحياة، وليس حكمًا بالسجن داخلها”.

 

أحلام تتآكل بصمت

 

في حي النصر في مدينة غزة يعيش خالد شرف ظروفًا اقتصاديةً صعبةً للغاية، في ظل الأوضاع السيئة التي يعيشها سكان القطاع، ويعاني من بتر كامل في قدميه جراء قصف إسرائيلي استهدف منزله قبل عام.

 

يبدأ شرف (31 عامًا)، حديثه بصوت منخفض، كأنّ الكلمات تخرج محمّلة بما هو أكبر من قدرتها على التعبير، ويقول: “في البداية كنت أظن أنّ الإعاقة هي أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان، لكن مع الوقت في غزة اكتشفت أنّ الإعاقة ليست المشكلة الوحيدة، والمشكلة أنّ كل شيء حولك غير مهيّأ للحياة أصلًا”.

 

ويتوقف لحظة، ثم يضيف: “نحن لا نعاني فقط من صعوبة الحركة، بل من صعوبة الوجود، حتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية تحتاج إلى حسابات معقدة. الأمر المؤلم ليس الفقر فقط، بل الإحساس بأنك غير محسوب ضمن معادلة الحياة، كأنّ المجتمع يتحرك في اتجاه، ونحن في اتجاه آخر لا يلتقي به أحد”.

 

ويضيف شرف: “الحرب الأخيرة فاقمت الوضع بشكل غير مسبوق، وفقدت ما تبقى من استقرارنا، تتوقف المؤسسات، وتتضرر البنية التحتية، وترتفع الأسعار، وبالنسبة إلينا هذا يعني أنّ دائرة العزلة تضيق أكثر فأكثر”.

 

عبء مضاعف

 

يقضي شرف داخل منزله شبه المدمر معظم يومه، ليس بسبب الاختيار، بل بسبب القيود التي فرضها الواقع، ويكمل: “الخروج من البيت ليس قرارًا بسيطًا، فيجب أن أفكر في الطريق، وفي المواصلات، وفي إمكانية وجود من يساعدني، وفي ما إذا كان المكان أصلًا قابلًا للوصول”.

 

ويعترف شرف: “هناك أيام لا أغادر فيها الغرفة، ليس لأنني لا أريد رؤية العالم، بل لأنّ العالم خارج الباب غير مجهز لوجودي”.

 

ويستطرد: “الحرب لا تخلق فقط إصابات جديدة، بل تعيد تعريف معنى الإعاقة لدى من يعيشونها مسبقًا، وفي كل حرب تتغير حياتنا من الأساس، حتى الطرق التي كنت أعرفها تصبح مدمرة وخطرة، والمراكز التي كنت أرتادها تغلق، والدعم يتوقف، وتبدأ مرحلة جديدة من الاعتماد الكامل على الآخرين”.

 

ويتابع: “أصعب ما في الأمر هو فقدان الاستقلالية، وأن تشعر أنك بحاجة دائمة لمن يساعدك في كل شيء، حتى في أبسط التفاصيل، فأصعب ما في الإعاقة هنا ليس الجسد، بل الشعور بأنّ العالم لا يراك أصلًا”.

 

ورغم وجود بعض المبادرات الإنسانية، إلا أنّه يرى أنّها غالبًا غير كافية أو مؤقتة، ويوضح: “نحتاج إلى أكثر من مساعدات غذائية وطبية، نحن بحاجة إلى فرص عمل، وتعليم مهيأ، وطرق ومواصلات تناسبنا، ونحتاج إلى حياة كاملة، لا إلى حلول مؤقتة”.

 

ورغم كل ما يعيشه، لا يخفي شرف تمسكه بخيط أمل رفيع، ويؤكد: “أريد فقط أن أعيش كإنسان طبيعي، وأن أعمل، وأن أتحرك بحرية، وألّا أشعر بأنني عبء على أحد”.

 

فرص عمل شبه معدومة

 

يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة أنّ “الوضع الاقتصادي لذوي الإعاقة في غزة يُعدّ من أكثر الأوضاع هشاشةً وتعقيدًا، فهذه الفئة تعاني أصلًا من ضعف فرص التوظيف قبل الحرب، لكن مع استمرار الحصار وتصاعد النزاعات، أصبحت فرص العمل شبه معدومة”.

 

يقول جودة: “الاقتصاد في غزة يعاني من انكماش حاد، وهو ما يجعل الفئات الهشة، وعلى رأسها ذوو الإعاقة، في موقع أكثر تهميشًا، حيث تتراجع قدرتهم على تأمين دخل ثابت أو حتى غير ثابت”.

 

ويوضح: “هناك عوائق اقتصادية تمنع ذوي الإعاقة من دخول سوق العمل؛ أبرزها ضعف البنية التحتية وعدم تهيئة أماكن العمل، ومحدودية فرص التشغيل في السوق المحلي، وارتفاع معدلات البطالة، ونقص برامج التدريب والتأهيل المهني المناسبة، كل هذه العوامل تجعل دخول المعاقين إلى سوق العمل محدودًا جدًا ورمزيًا في كثير من الحالات”.

 

ويضيف: “الحرب تؤدي إلى تدمير القطاعات الإنتاجية والخدمية، وإغلاق مؤسسات عديدة، وهو ما يعني فقدان الوظائف وفرص العمل، وبالنسبة إلى ذوي الإعاقة، فإنّ هذه الخسائر تكون مضاعفة، لأنّهم يعتمدون على فرص عمل محدودة أصلًا”.

 

ويكمل: “ذوو الاعاقة هم الأكثر تضررًا اقتصاديًا، لأنّهم يجمعون بين ضعف الوصول إلى سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة الخاصة بهم، إضافة إلى ذلك، فإنّ أيّ صدمة اقتصادية عامة تؤثر عليهم بشكل أعمق بسبب محدودية قدرتهم على التكيف السريع مع التغيرات”.

 

ويؤكد المحلل الاقتصادي أنّ “السياسات الاقتصادية لدعم ذوي الاعاقة غالبًا ما تكون محدودة وغير كافية، فهناك  بعض المبادرات من مؤسسات محلية ودولية، لكنّها غالبًا تركز على الدعم الإغاثي أكثر من التمكين الاقتصادي المستدام، ومع غياب استراتيجية اقتصادية شاملة تصبح هذه الجهود غير قادرة على إحداث تغيير جذري في الواقع”.

 

تحديات كبيرة

 

بدوره، يقول أستاذ علم النفس بجامعة القدس أحمد أبو سلطان: إنّ “الحرب تؤثر بشكل عميق ومُركّب على الصحة النفسية لذوي الإعاقة، لأنّها لا تقتصر على الخوف من القصف والأحداث المباشرة، بل تمتد إلى تعطيل كامل للحياة اليومية”.

 

ويضيف أبو سلطان: “ذوو الإعاقة في غزة يعانون أصلًا من تحديات في الحركة والتواصل والاعتماد على الآخرين، ومع الحرب تتضاعف هذه التحديات، فيشعر كثير منهم بانعدام السيطرة على حياتهم، وهو عامل أساسي في ارتفاع القلق والتوتر والاكتئاب”.

 

ويكمل: “العزلة الداخلية، وليست الجسدية فقط، تزيد من حالة الاكتئاب والقلق لذوي الإعاقة، وتُعتبر من أخطر العوامل النفسية، فعندما يكون الشخص غير قادر على التنقل بسهولة والمشاركة في الحياة الاجتماعية، يبدأ تدريجيًا بفقدان الإحساس بالانتماء”.

 

ويتابع: “غياب فرص العمل يخلق شعورًا بعدم الجدوى وفقدان الدور الاجتماعي لذوي الاعاقة، فالعمل ليس فقط مصدر دخل، بل هو عنصر أساسي في بناء الهوية والكرامة، وعندما يُحرم الشخص من العمل بسبب الإعاقة والظروف الاقتصادية، تتراجع ثقته بنفسه، وهو ما يفاقم الضغط النفسي”.

 

ويوضح: “يعيش ذوو الإعاقة في غزة ضغطًا نفسيًا مضاعفًا مقارنة بغيرهم، لأنّهم يتأثرون بالظروف نفسها التي يمرّ بها المجتمع كالحرب والفقر، لكنّهم في الوقت نفسه يواجهون عوائق إضافية تتعلق بالحركة، والوصول إلى الخدمات، والرعاية الصحية، ممّا يجعل قدرتهم على التكيف أقلّ في كثير من الأحيان”.

 

ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني أنّ “ذوي الإعاقة ليسوا فئة هامشية أو عبئًا على المجتمع، بل هم جزء أساسي أصيل منه، وهم بحاجة إلى فرص عادلة تمكّنهم من المشاركة والإنتاج، وليس فقط إلى مساعدات مؤقتة، وبالتالي فإنّ تمكينهم نفسيًا واجتماعيًا هو استثمار في قوة المجتمع كله، وليس فقط دعمًا لفئة مُعينة”.

 

 

 

 

Comments (0)
Add Comment