“أعين تُطفأ بصمت”: آلاف الغزيين يواجهون شبح العمى وسط انهيار صحي وحصار خانق

سنابل الأمل / متابعات

في قطاع غزة، لم تعد الحرب تقتصر على الدمار الظاهر أو أعداد الضحايا، بل امتدت لتسلب واحدة من أعظم نعم الإنسان: البصر.

خلف الأرقام الصادمة، تتكشف مأساة إنسانية عميقة يعيشها آلاف الجرحى والمرضى، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مصير مظلم، بين نقص العلاج واستحالة السفر، في ظل نظام صحي ينهار تحت وطأة الحرب والحصار.

تشير تقارير حقوقية إلى أن نحو 1700 فلسطيني فقدوا أبصارهم بشكل كامل خلال الحرب، بينما يواجه ما يقارب 5 آلاف آخرين خطر العمى الجزئي أو الكلي، نتيجة إصابات مباشرة أو تأخر العلاج. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة، لكنها لا تنقل بالكامل حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المصابون.

معاناة على قوائم الانتظار

من بين هذه القصص، تبرز حالة محمد صيام، الأسير المحرر الذي خرج من السجون الإسرائيلية فاقدًا لبصره. قضى عشرة أشهر في ظروف قاسية، تعرض خلالها لتعذيب شديد أدى إلى فقدانه النظر في كلتا عينيه. يقول إنه اعتُقل من مستشفى كمال عدوان شمال القطاع خلال الاجتياح البري في ديسمبر 2024، وتعرض للضرب المبرح والتنكيل، ما أفقده القدرة على رؤية النور مجددًا. اليوم، يناشد محمد الجهات المعنية تمكينه من السفر للعلاج، على أمل استعادة جزء من بصره، ولو في عين واحدة.

كما تجسد حالة الطفل سليم نور الدين – 7 سنوات- هذه المأساة أيضا، فهو يعاني من ضعف في العصب البصري، وكان بحاجة إلى علاج عاجل خارج القطاع، إلا أن إغلاق المعابر حال دون سفره لأكثر من عام ونصف.

ومع مرور الوقت، تدهورت حالته من إصابة في عين واحدة إلى فقدان شبه كامل في كلتا العينين، مع مضاعفات في الشبكية.

تحكي والدته أن التأخير في العلاج حرم ابنها من فرصة حقيقية للشفاء، موضحة أن أن قوائم الانتظار التي تضم عشرات الآلاف من المرضى تمثل ظلمًا مضاعفًا لمن يحتاجون تدخلًا عاجلًا.

الأزمة لا تتوقف عند الحالات الفردية، بل تمتد إلى واقع صحي متدهور بشكل غير مسبوق. فقد تعرض مستشفى العيون التخصصي في غزة لدمار كبير وأُخرج عن الخدمة لفترة، وعلى الرغم من إعادة تشغيله جزئيًا، إلا أن قدرته الاستيعابية لا تزال محدودة للغاية، في ظل أعداد هائلة من المصابين.

ويؤكد أطباء أن إصابات العيون تشكل ما بين 7% إلى 9% من إجمالي جرحى الحرب، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بطبيعة الإصابات في النزاعات. الأخطر من ذلك أن نحو 18% من هذه الحالات انتهت بفقدان كامل للبصر، فيما أصيب 9% من المرضى في كلتا العينين.

 كما تشير البيانات إلى أن الأطفال يمثلون نحو 30% من المصابين، والنساء 28%، ما يعكس حجم التأثير على الفئات الأكثر ضعفًا.

في جنوب القطاع، يبرز مجمع ناصر الطبي كمرفق شبه وحيد لا يزال يقدم خدمات صحية، بعد خروج مستشفيات رئيسية عن الخدمة. هذا المجمع يواجه ضغطًا هائلًا، حيث يخدم ما يقارب نصف سكان القطاع، ويستقبل قسم العيون فيه نحو 180 حالة يوميًا، في ظل نقص حاد في الكوادر والمعدات.

ويشرح رئيس قسم العيون في المجمع، أسامة أبو الوف، أن القسم بدأ كعيادة صغيرة خلال الحرب، قبل أن يتحول إلى مركز رئيسي لتقديم الرعاية، رغم الإمكانيات المحدودة.

 وذكر أن الطواقم الطبية فقدت معظم الاجهزة الحيوية ما يضطر الأطباء لإجراء تدخلات جراحية بأدوات بسيطة، ما يقلل من فرص إنقاذ البصر في كثير من الحالات.

إلى جانب ذلك، يشكل إغلاق المعابر عائقًا كبيرًا أمام علاج الحالات الحرجة. إذ ينتظر أكثر من 20 ألف مريض وجريح فرصة السفر لتلقي العلاج في الخارج، وسط قوائم انتظار طويلة ومعقدة. هذا التأخير أدى بالفعل إلى فقدان عدد كبير من المرضى لأبصارهم بشكل دائم.

في موازاة ذلك، يعاني القطاع من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، خاصة تلك المتعلقة بجراحات العيون الدقيقة. هذا النقص يفاقم من تعقيد الحالات، ويجعل من الممكن علاجها في ظروف طبيعية، حالات ميؤوسًا منها داخل غزة.

ولا تقتصر المعاناة على المستشفيات، بل تمتد إلى حياة النازحين الذين يعيشون في خيام تفتقر لأبسط مقومات النظافة والرعاية الصحية. هذه البيئة تسهم في تفاقم الأمراض، وتزيد من خطر العدوى والمضاعفات، خاصة لدى المصابين بإصابات حساسة مثل العيون.

في ظل هذا الواقع، تتصاعد النداءات من الأطباء والعائلات والمؤسسات الحقوقية لفتح المعابر بشكل عاجل، وتسهيل سفر المرضى قبل أن تتحول إصاباتهم إلى إعاقات دائمة. كما يطالبون بتوفير الإمدادات الطبية الضرورية، ودعم القطاع الصحي المنهك.

Comments (0)
Add Comment