سنابل الأمل/ متابعات
تتجاوز علاقة الفن بذوي الهمم حدود التعليم والتدريب، لتتحول إلى رسالة إنسانية تمس الروح وتصنع فارقاً حقيقياً في حياة الشخص وأسرته، وفي هذا الحوار الشغوف، تتحدث الدكتورة زينب السوار بلغة الأم والفنانة عن أبنائها الطلبة، مستعرضةً كيف أسهم الفن في بناء شخصياتهم، ومنحهم الثقة والاستقلالية، وصولاً إلى منصات التتويج الدولية.
بدايةً.. كيف يسهم الفن في تغيير طريقة تواصل الطالب من ذوي الهمم مع محيطه؟
الفن هو بوابة واسعة للغة التخاطب، وأكبر لغة للترجمة والكتابة البصرية، وهو الأداة الأولى لبناء شخصية الإنسان. لديّ تجارب واقعية عاشها أطفالي هنا؛ الطالب “فاضل” كان يتجنب التواصل مع الآخرين وحديثه قليل جدًّا، واليوم بعد انخراطه في مرسم الفن ومع الفنانين تطورت شخصيته بشكل ملحوظ. أما الطالبة “نورة”، فكانت تستحيل عليها المحادثة باللغة العربية أمام أي شخص، واليوم أراها تقف بكل ثقة وتتحدث وتشرح باللغة العربية أمام الجميع. الفن منحهم لغة الخطابة، والقدرة على التعبير عن آرائهم بثبات.
يتحدث كثيرون عن حسّكِ الإنساني العالي وتأثركِ بأدق تفاصيلهم… كيف تنعكس هذه العلاقة على اندماجهم في المجتمع والمشاركات الخارجية؟
فاضل، محمد، أحمد، نورة، وهيّا.. هم أطفالي بالفعل، ولا أقبل مطلقًا الاستخفاف بقدراتهم. أحس بهم، وأعرف مشاعر كل واحد منهم، وقلقة بشأنهم باستمرار، فإن تعثر أو تأذى أحدهم يطولني ألمه فورًا. لهذا السبب أُصر على احتضانهم ودمجهم فعلياً في ورش العمل والمعارض واستوديو الفن، وتكون مشاركتهم معي أينما ذهبت.
ومن هنا تولدت فكرة المشاركة الخارجية؛ فقررنا التواجد في “ملتقى أولادنا” بمصر بمشاركة 53 دولة. ورغم الصعوبات الجسيمة التي واجهتنا في تحمل المسؤولية والأعباء المادية، إلا أنني تحملت كل ذلك لأثبت للعالم أنهم قادرون. وكانت النتيجة أننا عدنا إلى البحرين بالمركز الأول عالمياً! بل وتم اختيار عمل أحد طلبتنا من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو إنجاز بحريني مدعاة للفخر.
ومن المواقف التي لا تُنسى هناك، أن بعض الحضور والمحكّمين لم يصدقوا أن هذه اللوحات البديعة هي من رسم أبنائي من ذوي الهمم لشدة إتقانها وجمالها، حتى رأوهم يرسمون مباشرةً أمام أعينهم (“لايف”)، مما زاد قناعة لجنة التحكيم باستحقاقهم للمركز الأول بجدارة. هذا الفوز فتح لهم آفاقاً جديدة للمشاركة في مسابقات أوسع، وزاد من فرص مساندتهم وتسويق أعمالهم. وأنا أسعد كثيراً عندما يتلقون دعوات للمشاركة مع جهات خارجية بمفردهم، فلا أمنعهم ولا أحرمهم من تحليقهم ونجاحهم المستقل.
كيف تساهم خطوة تسويق الأعمال وعرضها في بناء ريادة الأعمال لديهم؟
نحن نعمل على تعديل سلوكهم وتنمية مواهبهم، وأنا أُصر دائماً على حجز وتوفير منصات (بوثات) لهم في مختلف الفعاليات، سواء لعرض أعمالهم أو بيعها. بيع القطعة الفنية يعيد بناء ثقة الطالب بنفسه، ويمنحه شعوراً استثنائياً بالفخر والإنجاز. والأجمل من ذلك هو رؤية نظرة الفخر في عيون أولياء أمورهم، حين يشعرون أن أطفالهم من ذوي الهمم أصبحوا عناصر منتجة تؤدي دوراً فاعلاً وله قيمة في المجتمع.
الشغف شرط أساسي لديكم.. كيف يغلب هذا الشغف تحديات الإعاقة والبيئة؟
الشغف هو شرطي الأهم. التحديات موجودة دائماً ولا يمكن إلغاؤها؛ سواء كانت تحديات مادية، أو تحديات في آلية التعامل معهم، أو حتى الصراعات الداخلية لدى الطالب نفسه في كيفية مواجهة المجتمع ومتطلباته. هنا يأتي دور الشغف؛ فهو ينعش الثقة بالنفس، ويصنع الإصرار والعزيمة على النجاح وتجاوز أي محبطات.
رسالتكِ الأخيرة للمجتمع والمؤسسات؟
أوجه رسالتي للمجتمع الواعي، ولأصحاب المؤسسات والشركات الكبرى، والبنوك، والهيئات، والوزارات وهي كالتالي: سلطوا الضوء على شراء أعمال هذه الفئة لدعم التنمية المستدامة في حياة ذوي الهمم. سلطوا الضوء على انخراطهم الحقيقي في حياتنا العملية، واحرصوا على دعم مشاركتهم الدائمة والفاعلة في كافة الفعاليات والمحافل.