سنابل الأمل / متابعات
لاقت هذه التمارين الرياضية رواجاً بين كثر، وليس فقط المصابين بمشكلات تتعلق بالمخ والأعصاب، ولا سيما مع انتشار فيديوهات الرياضة المنزلية خلال الثمانينيات والتسعينيات. وبزغت أسماء مثل لاكشمي فولكر التي تُعد من أبرز الأسماء التي طورت رياضة اليوغا جلوساً على مقعد. ويحقق كتابها “حافظ على لياقتك وأنت جالس” الذي شاركت في تأليفه مع ليز أوبديك التي وضعت قواعد ما يعرف بـ”اليوغا من على كرسي متاح”. وكانت أوبديك بدأت تمارس اليوغا وهي في الخمسينيات من عمرها، بعد مرضها وإصابات خطرة لحقت بها.
ما إن تذكر عبارة “ممارسة الرياضة” حتى تستحضر الأذهان صورة قدود منتفخة العضلات تركض، وأخرى منحوتة التفاصيل تقفز، وثالثة مشدودة المعالم تهرول، وجميعها يتصبب عرقاً بينما تصعد الصدور وتهبط بسرعة فائقة ناجمة عن المجهود الشديد والسعي الأكيد.
أما أن يستحضر الذهن قوماً جالسين على المقاعد، بينما موسيقى لطيفة تتصاعد من أرجاء الغرفة المكيفة، ويدقون بأرجلهم ذات اليمين تارة، وذات اليسار تارة أخرى، في حين تتحرك الأذرع في حركات فنية تناسب الموسيقى، وكأنهم يقدمون عرضاً فنياً صامتاً هادئاً باستثناء الموسيقى غير الصاخبة، فهذا أمر غير وارد، أو كان غير وارد.
صرعة الكرسي
هذه الآونة، تسري صرعة ممارسة الرياضة من على “كرسي” أو مقعد. رجال ونساء، أوزان ثقيلة وأخرى خفيفة، أشخاص عابسون وآخرون يبتسمون، لكن السمة الأغلب هي التقدم النسبي في عمر “الرياضيين”.
ممارسة الرياضة من على مقعد أو جلوساً على أرض الملعب معروفة منذ عقود. أصولها التاريخية الموثقة تعود لجهود التأهيل الطبي للجنود من مصابي الحرب العالمية الثانية، ضمن جهود طبية ونفسية ورياضية لتحسين حالهم الجسدية والنفسية. وظلت تتطور الفكرة، لتنتقل من حدود المستشفيات التي كانوا يقيمون فيها إلى ما يسمى “الألعاب البارالمبية” المعروفة اليوم، والمستمرة في التطوير والتحديث.
عام 1944، افتتح جراح المخ والأعصاب البريطاني لودفيغ غوتمان مركزاً لإصابات العمود الفقري في مستشفى “ستوك ماندفيل” في بريطانيا، ودمج الرياضة كجزء من البرنامج العلاجي والتعافي البدني والنفسي. وفي الـ29 من يوليو (تموز) عام 1948، نظّم غوتمان “دورة ألعاب ستوك ماندفيل”، وهي مسابقة في الرماية شارك فيها 16 من قدامى المحاربين من على مقاعدهم المتحركة، خلال افتتاح دورة الألعاب الأولمبية، مما تطوّر في ما بعد لتصبح “الألعاب البارالمبية”.
“الألعاب البارالمبية” باتت الحدث الدولي الرياضي المخصص لذوي الإعاقة المعروفة للجميع التي جرى فيها تطويع وتعديل قواعد عدد من الألعاب الرياضية لتناسب الإعاقات. أما ممارسة الرياضة من على مقعد، فهي الصرعة الآخذة في الانتشار خلال الآونة الأخيرة، لا لقدامى المحاربين أو الجرحى أو أصحاب الإعاقات، لكن بين الأصحاء، وإن كان “الشعر الأبيض” يغلب على الرياضيين الجالسين.
غالبية من يلجأون إلى ممارسة الرياضة جلوساً قدامى المحاربين أو الجرحى أو أصحاب الإعاقات (رويترز)
أواخر القرن الـ 20 وأوائل القرن الـ 21 شهدت طفرتين كبيرتين في اللياقة البدنية، الأولى مع انتشار “الأيروبيكس” في ثمانينيات القرن الماضي، وإدراك المدربين والمهتمين أن كبار السن، أو من يعانون مشكلات صحية أو حركية طفيفة، يحتاجون إلى بدائل آمنة، ولا سيما أن الموسيقى الحيوية المصاحبة لهذا النوع من التمارين أكسبها شعبية طاغية.
وتزامنت هذه الطفرة وإثبات الدراسات والبحوث العلمية الأثر الإيجابي للتمارين الرياضية المحسوبة بحرص على صحة كبار السن البدنية والنفسية. الأستاذة في “معهد كريشنا للعلوم الطبية” في الهند تروبتي ياداف أكدت خلال دراسة عنوانها “فاعلية تمارين ’الأيروبيكس‘ على الكرسي و’تمارين فرنكل‘ في تحسين التوازن والتناسق الحركي لدى كبار السن” (2024) أن التمارين الرياضية تعزز الشيخوخة الصحية، وتحسن بصورة خاصة اللياقة القلبية الوعائية. كما أنها تمنع ضمور العضلات وتقوّي جودة الحياة المرتبطة بالصحة.
وأوردت الدراسة أن التمارين التي تمارس من على كرسي أثناء الجلوس، إضافة إلى “تمارين فرانكل”، تنشط آليات الجسد التي تتحكم في التوازن والتنسيق وتحسن أعراض الرنح الحسي، وهو فقدان التناسق العضلي الناتج من تلف المسارات الحسية التي تنقل إشارات الحركة إلى الدماغ.
يُشار إلى أن هنريك سباستيان فرنكل طبيب أعصاب سويسري (1860 – 1931) طوّر مجموعة من التمارين الرياضية التي تمارس جلوساً، وعالج الرنح الحسي، وتتدرج في الصعوبة بمرور الوقت.
رواج بين الأصحاء
لاقت هذه التمارين الرياضية رواجاً بين كثر، وليس فقط المصابين بمشكلات تتعلق بالمخ والأعصاب، ولا سيما مع انتشار فيديوهات الرياضة المنزلية خلال الثمانينيات والتسعينيات. وبزغت أسماء مثل لاكشمي فولكر التي تُعد من أبرز الأسماء التي طورت رياضة اليوغا جلوساً على مقعد. ويحقق كتابها “حافظ على لياقتك وأنت جالس” الذي شاركت في تأليفه مع ليز أوبديك التي وضعت قواعد ما يعرف بـ”اليوغا من على كرسي متاح”. وكانت أوبديك بدأت تمارس اليوغا وهي في الخمسينيات من عمرها، بعد مرضها وإصابات خطرة لحقت بها.
انتشار ممارسة التمارين الرياضية من على مقعد أتاح ممارسة قدر من الرياضة للملايين حول العالم، كل بحسب قدراته البدنية وحاله الصحية، وهو الانتشار الذي يدين بالكثير لطفرة اللياقة البدنية الأولى. أما الطفرة الثانية، فحدثت أثناء أشهر الإغلاق بسبب كورونا.
تسببت الجائحة في حدوث تحولات كبرى في كيفية ممارسة الملايين للرياضة، بسبب العزلة في البيوت المغلقة على سكانها ممن اعتادوا ارتياد الصالات الرياضية التي أغلقت أبوابها، إضافة إلى أعداد آخرين من غير ممارسي الرياضة، لكن أيقنوا فجأة أهميتها للصحة البدنية والنفسية. وشملت آثار هذه الطفرة الراغبين في ممارسة الرياضة، أو بمعنى أدق غير القادرين على ممارسة الرياضة إلا جلوساً على مقعد.
وشهدت الأعوام الأخيرة صعود نجم كثير من مدربي “الأيروبكس على مقعد”، ومن بينهم من أصبح ملقباً بـ”ملك تمارين الكرسي” وهو الأميركي دونافان غرين مؤلف كتاب “لياقة بدنية بلا أعذار”. ويعتمد غرين على تمارين رياضية عالية الطاقة، لا ترهق الجسم لكن تحرق الدهون وتقوي العضلات أثناء الجلوس.
وضمن الوجوه الشهيرة على أثير الـ”سوشيال ميديا” الفرنسي سدريك دياز الذي ذاع صيته لفيديوهاته الكثيرة التي توضح لكيفية أداء تمارين سهلة ومؤثرة أثناء الجلوس على مقعد وحوله مئات “الرياضيين” على إيقاع موسيقى جذابة. وكان دياز رياضياً محترفاً، لكنه اعتزل بعد إصابات منعته من الاستمرار، فقرر المحافظة على اللياقة البدنية من دون التسبب في أضرار غير محسوبة، فطوّر تمارين تمارس أثناء الجلوس، هي أقرب ما تكون إلى التمارين الراقصة.
انتشار ممارسة التمارين الرياضية من على مقعد أتاح ممارسة قدر من الرياضة للملايين حول العالم (رويترز)
وممارسة الرياضة، أو أداء “الأيروبيكس”، أو الرقص جلوساً لم تعُد تقتصر على العلاج الطبيعي لكبار السن والمصابين بأمراض أو أعراض حركية، أو مصابي الحروب والحوادث، أو من يعانون إعاقات أو أمراض تحد من سُبل ممارستهم للرياضة بمفهومها التقليدي من ركض وقفز وغيرهما. كما أنها لم تعُد مجرد صرعة تنتشر بسبب حداثتها أو غرابتها، لكنها “رياضة” تجذب كثراً، بينهم أصحاء وغير مسنين. وأصبحت الرياضة من على مقعد مادة للبحث العلمي لفهم أبعادها وقياس آثارها.
“المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة” نشرت دراسة عنوانها “تأثير التمارين الرياضية التي تمارس على كرسي في الوظائف البدنية لكبار السن” جاء خلالها أن هذه التمارين أثبتت تحسناً في جوانب عدة من الوظائف البدنية لممارسيها مثل تحسن في التوازن وسرعة المشي وقوة القبضة. وتخفف أيضاً من الآثار السلبية للخمول البدني لدى كبار السن، وغيرهم من الأفراد الذين يعانون العزلة لأسباب بدنية أو نفسية.
وخلصت الدراسة إلى أن ممارسة الرياضة أو الرقص جلوساً أنشطة بسيطة وسهلة التطبيق للحفاظ على القوة البدنية والنفسية وتنميتها، مع ضرورة مراجعة الطبيب المعالج للتأكد من قدرة “الرياضي” على القيام بالحركات وعدم تسببها في ضرر له، مشيرة إلى أن أي نشاط أفضل من لا شيء، سواء لكبار السن أو صغاره.
ويبدو أن الرياضة والرقص جلوساً فيهما خير كثير للحكومات وموازنات الدول، إذ أشارت الدراسة إلى أن مثل هذه الأنشطة البسيطة وغير المكلفة تخفف من عبء كلفة العلاج والرعاية الصحية والنفسية المطالَبة بها الحكومات والهيئات الصحية العامة، فتضمن حصول كبار السن وغير القادرين على ممارسة الرياضة بمعناها التقليدي سواء لأسباب مادية أو صحية، على قدر معقول من الوقاية البدنية التي تقي شرور الضعف وتردي الصحة النفسية.
ليست كالعادية ولكن
وعلى رغم أن التمرين والرقص جلوساً لا يحرقان السعرات الحرارية بالمعدل نفسه الذي يجري حرقه عبر ممارسة الرياضة وقوفاً أو ركضاً أو قفزاً، وعلى رغم أن قوة التمرين أقل بصورة عامة من التمرين العادي، فإن الفوائد تفوق القيود والحدود.
صحة القلب تتحسّن برفع معدل دقات القلب عبر تمرين المشي في وضعية الجلوس ومد الذراعين وملاكمة الظل، وهي تمارين يجري فيها توجيه اللكمات، والقيام بحركات القدمين، ورفع الأذرع بغرض الدفاع، لكن ضد خصم وهمي.
كذلك، تساعد تمارين الكرسي في حماية الأرجل والركبتين والكاحلين التي عادة يشكو من ضعفها أو ألمها كثر. وتقوي هذه التمارين من عضلات الذراعين والجذع والساقين عبر طريقة الجلوس الصحيحة والصحية أثناء القيام بالتمارين.
بعضهم يسميها “لياقة بدنية كسولة أو للكسالى”، لكنها تظل لياقة بدنية. وهناك من يسخر منها معتبراً فيديوهاتها وصورها منجماً للسخرية وإطلاق النكات حول “ادعاء” ممارسة الرياضة، أو استخدام الذكاء الاصطناعي لتجعل ممارسيها يبدون وكأنهم رياضيون محتجزون في مصعد أو محبوسون في قفص، لكن من ذاقوا آثارها الإيجابية على صحة الجسد والنفس يرفعون راية “الميمز تعوي، ورياضة الكرسي تسير”.