مكفوفون في اليمن يحولون الإعاقة إلى مصدر للرزق ومساعدة الآخرين

سنابل الأمل / متابعات

 

 

في بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب والأزمات الاقتصادية والسياسية، يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة تحديات مضاعفة للحصول على عمل وحياة كريمة، لكن بعض المكفوفين في اليمن تمكنوا من تحويل إعاقتهم إلى دافع للاعتماد على أنفسهم ومساندة آخرين يواجهون الظروف ذاتها.

 

ومن بين هؤلاء لطفي عبد الرحمن (52 عاما)، وهو فني كفيف لإصلاح الأجهزة الكهربائية في مديرية المنصورة بمدينة عدن، استطاع على مدى سنوات إتقان إصلاح الغسالات والأجهزة المنزلية بالاعتماد على حاستي اللمس والسمع، حتى حوّل جزءا من منزله إلى ورشة صغيرة يعمل فيها ويوفر دخلا له ولشقيقيه المكفوفين أيضا.

 

وداخل ورشته، يجلس عبد الرحمن وقد طوى قدميه تحته وأمامه غسالة معطوبة أزيل عنها الغطاء الخلفي، لتبدأ أصابعه في التحرك وسط أسلاكها بسرعة وسلاسة، فيمسك سلكا ويقربه من أذنه ويهز رأسه ثم يمد يده نحو سلك آخر.

 

ويقول بثقة “هذا سلك أحمر، وهذا أزرق، وهذا الأرضي”. وحين تسقط منه قطعة معدنية، يمرر مغناطيسا صغيرا على الأرض حتى يلتقطها، قبل أن يبتسم منتصرا.

 

وحكى عبد الرحمن لرويترز أنه بدأ تعلم مهارات الإصلاح من والده الذي توفي مبكرا، وكانت البداية بتعلم السباكة وإصلاح الغسالات الكهربائية ومولدات المياه، قبل أن ينتقل للعمل في ورشة يملكها شخص آخر، حيث ذاع صيته في هذا المجال، ومنذ ذلك الحين واصل العمل فيه.

 

وفقد عبد الرحمن بصره بسبب ضمور في شبكية العين، وكذلك شقيقته الكبرى نجوى (54 عاما)، بينما توقف شقيقه محمد (53 عاما) عن العمل بعدما أقعدته جلطة دماغية عن الحركة. وفقد الأشقاء الثلاثة بصرهم في سن مبكرة نتيجة عوامل وراثية.

 

وقال عبد الرحمن إنه حاول في السابق الحصول على وظيفة حكومية تضمن له دخلا ثابتا، لكن طلبه قوبل بالرفض بسبب إعاقته.

 

وأضاف أنه رغم ذلك راض عن حياته قائلا “أشعر بطيبة الجميع ممن ألتقي بهم، حتى أصبح الناس يعرفونني ويأتون إلى ورشتي من مناطق بعيدة”، مشيرا إلى أنه يذهب أحيانا إلى أماكن وجود الأجهزة المعطلة لإصلاحها عندما تقتضي الحاجة.

 

تعاضد المكفوفين

 

تشير أحدث التقديرات والبيانات الحكومية وتلك الصادرة عن المنظمات التابعة للأمم المتحدة إلى أن عدد ذوي الاحتياجات الخاصة في اليمن يتراوح بين 4.5 مليون وخمسة ملايين شخص، أي ما يعادل نحو 15 إلى 16.6 بالمئة من إجمالي السكان البالغ عددهم 40 مليونا، بينهم من يعانون إعاقات خلقية وآخرون أصيبوا بها نتيجة الحرب.

 

ويُقدر عدد المكفوفين وفاقدي البصر كليا في اليمن، وفق أحدث التقارير والمؤشرات الدولية لعام 2026، بنحو 125237 كفيفا وكفيفة، أي ما يقرب من 0.9 بالمئة من السكان.

 

ولا يستفيد من خدمات المراكز الخاصة بتعليم وتأهيل المكفوفين سوى نحو عشرة آلاف شخص، وفقا لتصريح سابق لرئيسة جمعية الأمان لرعاية الكفيفات في صنعاء.

 

في المقابل، تشير تقديرات محلية وجمعيات وإحصاءات غير رسمية من الجمعية اليمنية لرعاية وتأهيل المكفوفين إلى أن العدد ربما يصل إلى نصف مليون، بينما يتجاوز عدد من يعانون ضعفا حادا جزئيا في البصر مليون شخص.

 

ورغم تباين الأرقام وصعوبة الظروف، لم ينجح بعض المكفوفين في اليمن في إعالة أنفسهم وأسرهم فحسب، بل استطاعوا أيضا مساعدة آخرين من ذوي الإعاقة في البحث عن فرص لحياة أفضل.

 

وتروي الأخصائية النفسية عبير علي منصر محسن (35 عاما) كيف انهارت عندما فقدت بصرها فجأة أثناء عملها، قبل أن تخضع لجلسات تأهيل ساعدتها على تجاوز الصدمة والعودة إلى العمل في منصب إداري، ثم أسست كيانا مستقلا لمساعدة الفتيات الكفيفات.

 

وقالت لرويترز إنها واجهت صعوبات عند تأسيس “جمعية الوفاء لرعاية وتأهيل الكفيفات” عام 2024، لكنها واصلت المشروع حتى ارتفع عدد المستفيدات من خدمات الجمعية من 60 إلى 130 كفيفة.

 

وبينما تعرب عن سعادتها بمساعدة أخريات على تجاوز حاجز الإعاقة، وحصول بعض المنتسبات إلى الجمعية على درجات علمية مرموقة، تشكو عبير من ضعف الموارد وغياب ضمانات الاستمرارية.

 

وقالت “الجمعية بمقر ثابت، لكن بلا ميزانية تشغيلية، بلا عقود عمل رسمية”.

 

أما محمد خالد العماري (39 عاما)، فهو كفيف يعمل في ثلاث جهات هي صندوق المعاقين في المركز الرئيسي بعدن، وجمعية المكفوفين، ومصلحة الهجرة والجوازات والجنسية الحكومية، لكنه يرى أهمية تعاضد المكفوفين، ولذلك أسس عام 2023 “منصة عدن الإعلامية لذوي الإعاقة”.

 

وقال العماري لرويترز إن فكرة المنصة جاءت بعد ملاحظته تراجع تغطية مجلة خليجية لأخبار المعاقين اليمنيين بشكل كبير بعد عام 2015، ما دفعه إلى التساؤل “لماذا لا تكون هناك منصة يمنية خاصة بهم؟”.

 

ويدير العماري المنصة ويكتب موادها باستخدام برامج صوتية على هاتفه المحمول، بينما يتنقل بأصابعه على الشاشة ويعتمد على السمع في متابعة التفاصيل، دون مساعدة بصرية وباستخدام تطبيقات مخصصة.

 

ورغم نجاح المنصة في إيصال صوت الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الجهات الحكومية، يعبر العماري عن استيائه من ضعف التمثيل الرسمي، قائلا “مؤتمرات الإعاقة تعقد وتنفق عليها مبالغ كبيرة، لكن المعاق اليمني لا يحضر، بل يحضر المسؤول غير المعني غير المعاق”.

 

حق في الوظائف

 

وفي مواجهة الشكاوى المتعلقة بضعف الدعم الحكومي، قال وزير الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا مختار اليافعي لرويترز إن صندوق رعاية وتأهيل المعاقين التابع للوزارة يقدم موازنات تشغيلية لنحو 57 جمعية ومؤسسة في محافظات عدة بجنوب وشرق البلاد، بينها جهات معنية بالمكفوفين.

 

وأوضح أن الوزارة، في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، تدرك أوجه القصور وتعمل على تحديث اللوائح وقواعد البيانات وتعزيز الرقابة، مشيرا إلى أن تطبيق النسبة القانونية المقررة لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة سيسهم في تحويل الالتزامات القانونية والدولية إلى إجراءات عملية.

 

وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أصدرت تعميما في مارس آذار يلزم جميع الجهات الحكومية وشركات القطاعين العام والخاص بتفعيل نسبة توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة البالغة خمسة بالمئة من إجمالي الوظائف الشاغرة في القطاعين العام والمختلط للحاصلين على شهادات التأهيل.

 

ويعد التعميم أول إجراء حكومي تنفيذي من نوعه منذ سنوات يهدف إلى دمج هذه الشريحة في سوق العمل.

 

وأكد اليافعي أن قضايا ذوي الإعاقة، بمن فيهم المكفوفون، تحظى باهتمام خاص ضمن برامج وخطط الوزارة، مشيرا إلى أن عددا من قصص النجاح التي تزخر بها بعض جمعيات المكفوفين في البلاد تستحق الدراسة.

 

 

Comments (0)
Add Comment