أقسام خاصة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.. نجاح المرسوم مرهون بالإدماج الفعلي واستمرارية المرافقة
سنابل الأمل/ قراءات
في ظل التوجه نحو تعزيز تمدرس الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، يطرح المرسوم المتعلق بتنظيم أقسام خاصة داخل المؤسسات التعليمية العمومية جملة من الرهانات المرتبطة بمدى قدرة المنظومة التربوية على ضمان تعليم نوعي ومتكافئ لهذه الفئة.
وبين أهمية توفير فضاءات تعليمية تتناسب مع احتياجات أطفال طيف التوحد، والتحديات المرتبطة بالتأطير المتخصص واستقرار المرافقين المدرسيين وتكييف البرامج البيداغوجية، يبقى نجاح هذه الخطوة مرهونًا بمدى تجسيدها ميدانيًا وتحويلها إلى ممارسة تعليمية تضمن حق الطفل في التعلم والإدماج الاجتماعي.
وفي هذا السياق، تؤكد فرح أسيد، رئيسة مؤسسة “إلياس للتوحد”، أن الرهان الحقيقي لا يكمن في فتح الأقسام الخاصة فحسب، بل في توفير بيئة مدرسية دامجة تتيح للأطفال تنمية قدراتهم ومواصلة مسارهم الدراسي، وصولًا إلى التعليم الجامعي، بعيدًا عن العوائق التي قد تحد من فرصهم في التعلم وتحقيق طموحاتهم.
نجاح المرسوم مرتبط بفعالية الإدماج داخل المدرسة
أكدت فرح أسيد، رئيسة مؤسسة “إلياس للتوحد” على أن نجاح سياسة تمدرس الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لا ينبغي أن يُختزل في عدد الأقسام الخاصة التي يتم فتحها، بل يتوقف أساسًا على مدى قدرة المؤسسات التعليمية على استقبال هؤلاء الأطفال ومرافقتهم وتعليمهم في ظروف ملائمة.
وأكدت أن المدرسة ينبغي أن تكون فضاءً للتعلم والتفاعل الاجتماعي، لا إطارًا لعزل الطفل عن أقرانه، معتبرة أن المكان الطبيعي للطفل التوحدي هو المدرسة إلى جانب بقية الأطفال، مع توفير الترتيبات التربوية والمرافقة المتخصصة التي تستجيب لاحتياجاته الفردية.
وفي هذا السياق، يبرز التحدي المرتبط بكيفية تطبيق المرسوم على أرض الواقع، من خلال توفير الإمكانات البشرية والبيداغوجية اللازمة، وضمان أن تتحول الأقسام الخاصة إلى وسيلة لتحسين التعلم وتعزيز الإدماج، بدل أن تصبح مجرد إجراء تنظيمي لا ينعكس بصورة فعلية على المسار الدراسي للطفل.
فتح أقسام خاصة خطوة لتعزيز تمدرس الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة
كما اعتبرت أسيد أن الإجراءات الأخيرة المتعلقة بتنظيم تمدرس الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، لاسيما فتح أقسام خاصة داخل المؤسسات التعليمية العمومية، تمثل خطوة مهمة نحو تحسين ظروف تمدرس أطفال التوحد والاستجابة لاحتياجاتهم البيداغوجية والتربوية.
وأشارت إلى أن هذه الإجراءات تعكس اهتمامًا متزايدًا بملف التوحد، خاصة في ظل توجه وزارة التربية الوطنية نحو فتح أقسام خاصة داخل المؤسسات التربوية، إلى جانب مرافقة الأطفال الذين يتابعون دراستهم ضمن الأقسام العادية، بما يسمح بتوفير صيغ تعليمية تتناسب مع احتياجاتهم وقدراتهم.
وأضافت أن تطوير البرامج البيداغوجية وإنشاء مركز وطني للتوحد من شأنهما المساهمة في تعزيز التكفل بهذه الفئة، شريطة أن تقترن هذه الخطوات بآليات عملية تضمن استمرارية المرافقة وتحسين جودة التعليم.

المرافقون المدرسيون.. الحلقة التي تحتاج إلى الاستقرار والتأطير
وفي حديثها عن شروط نجاح تمدرس أطفال التوحد، أثارت رئيسة مؤسسة “إلياس للتوحد” مسألة المرافقين المدرسيين، متسائلة عن أسباب عدم تجديد عقود عدد من المرافقين، وعن إمكانية فتح عمليات توظيف جديدة لتغطية الاحتياجات المتزايدة داخل المؤسسات التعليمية.
وأوضحت أن عددًا من المرافقات المدرسيات اكتسبن خبرة ميدانية في التعامل مع أطفال طيف التوحد، بعد خضوعهن للتكوين واكتسابهن تجربة مباشرة في مرافقة الأطفال، مشيرة إلى أن بعضهن أمهات لأطفال من الطيف، وهو ما أتاح لهن فهمًا عمليًا لاحتياجات هذه الفئة والتحديات التي تواجهها يوميًا.
ودعت، في هذا الإطار، إلى ترسيم المرافقين المدرسيين وفتح مناصب مالية كافية، إلى جانب وضع إطار قانوني واضح ينظم مهامهم ويضمن حقوقهم المهنية، مع اعتماد تكوين متخصص ومسار مهني مستقر يسمح بالاستفادة من خبراتهم وتحسين نوعية المرافقة المقدمة للتلاميذ.
طيف التوحد لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام مواصلة الدراسة الجامعية
ومن جهة أخرى، تأسفت أسيد لوجود عوائق تحول دون مواصلة بعض الأشخاص من ذوي التوحد دراستهم الجامعية، رغم تمكنهم من النجاح في المراحل التعليمية السابقة، معتبرة أن هذه الوضعية تطرح تساؤلات حول مدى استمرارية مرافقة هذه الفئة بعد المرحلة الثانوية.
وأكدت أن الانتماء إلى طيف التوحد لا يعني عدم القدرة على التعلم أو اكتساب المعارف، كما لا ينبغي أن يضع سقفًا لطموحات الطفل أو يحد من فرصه في متابعة مساره الأكاديمي.
وترى المتحدثة أن تحسين تمدرس أطفال التوحد يقتضي اعتماد رؤية متكاملة لا تتوقف عند مرحلة التعليم الابتدائي أو الثانوي، بل تمتد إلى التعليم الجامعي، من خلال العمل على تذليل العوائق التي تواجههم وتوفير الظروف المناسبة لاستمرارهم في الدراسة، بما يضمن تكافؤ الفرص ويتيح لهم تطوير قدراتهم وتحقيق طموحاتهم العلمية والمهنية.
من صدور المرسوم إلى التطبيق الميداني.. تحدي ضمان الحقوق والاستمرارية
وتكشف تصريحات رئيسة مؤسسة “إلياس للتوحد” أن تنظيم الأقسام الخاصة داخل المؤسسات التعليمية العمومية يمثل جزءًا من مسار أوسع لتحسين تمدرس الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو مسار يرتبط نجاحه بمدى توفير التأطير البشري المتخصص، وضمان استقرار المرافقين المدرسيين، وتكييف البرامج وأساليب التعليم وفق احتياجات الأطفال.
كما تبرز أهمية الانتقال من الإجراءات التنظيمية إلى التطبيق الفعلي، بما يضمن حق أطفال التوحد في التعليم والمرافقة والإدماج، ويفتح أمامهم آفاقًا أوسع لمواصلة الدراسة حتى المرحلة الجامعية، بعيدًا عن العراقيل التي قد تحد من فرصهم في التعلم والتطور.
وبذلك، فإن الرهان لا يتعلق بفتح أقسام خاصة فحسب، بل ببناء بيئة مدرسية قادرة على استيعاب الاختلاف، وتوفير فرص تعليمية حقيقية لكل طفل، بما يحفظ كرامته ويعزز استقلاليته ويضمن حقه في مستقبل تعليمي ومهني أوسع.
طموح يتخطى الأسوار المدرسية نحو التعليم الجامعي
وفي ختام حديثها، تؤكد المعالجة أن التحدي لا ينتهي ببوابات المدرسة الثانوية؛ إذ تُسجل عوائق حقيقية تحول دون مواصلة الطلبة من ذوي التوحد لمسارهم الدراسي في الجامعة رغم كفاءتهم ونجاحهم، وتشدد هذه الرؤية على أن طيف التوحد لا يلغي القدرة على التعلم، وأنه لا يُعقل أن يتوقف سقف طموح الطفل عند نهاية المرحلة الثانوية، ما يستدعي تهيئة مؤسسات التعليم العالي لاستيعاب هذا الاختلاف.