احذر أشواك الدنيا السبع: بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

0 4

سنابل الأمل / خاص

بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

ليست الدنيا طريقًا مُفْرَشًا بالورد كما يتوهّم البعض، بل هي دربٌ تتناثر فيه الأشواك بقدر ما تتناثر فيه الزهور. فمن أحسن السير فيها بلغ المنى، ومن غفل تعثّر، ومن استهان بالإشارات ندم حيث لا ينفع الندم.

وأعظم أشواك الدنيا تلك التي تتزيّن بثوب المصالح الظاهرة، بينما تُخفي في جوهرها المهالك والأخطار؛ تدخل حياة الإنسان في هيئة حاجة، أو ثقة، أو طمع، ثم لا تلبث أن تتحوّل إلى قيود تُثقِل الروح، وتستنزف العمر، وتُرهق القلب، وتكسر الظهر.

الشوكة الأولى: الكفالة غير المدروسة (الشخصية والمالية)

والمقصود بها كل كفالة يُقدم عليها الإنسان بدافع الشفقة، أو الحرج، أو المجاملة، أو الخجل من الرفض، لا بعد دراسة واعية ولا تقدير حقيقي للعواقب.

فيتكفّل بشخص لا يعرف مدى التزامه، أو يضمن قرضًا لا يعلم قدرته على سداده، أو يوقّع التزامًا لأنه “لا يريد أن يحرج أحدًا”، ثم يكتشف لاحقًا أن قلبه سبق عقله، وأن حسن نيته قاده إلى قرار لم يُحسن حسابه.

فالكفالة ـ بجميع صورها ـ أمانة ثقيلة ومسؤولية عظيمة، وليست مجرّد توقيع عابر ولا مجاملة اجتماعية. كم من بيوتٍ تهدّمت، وقلوبٍ انكسرت، وأرزاقٍ تعطّلت بسبب كفالة بُنيت على العاطفة لا على الحكمة، وعلى حسن الظن وحده لا على التحقق والتوثيق.

وحين يتخلّف المكفول عن السداد، تقع المطالبات كاملة على الكفيل، فتتحوّل الشهامة إلى عبء، والإحسان إلى معاناة، وربما إلى خصومات ونزاعات وقضايا.

فليس كل من طلب الكفالة أهلًا لها، ولا كل نية حسنة تُثمر نتيجة حسنة، ما لم تُضبط بالأنظمة، وتُوثّق بالضمانات، وتُبنَ على دراسة واقعية متأنية.

الشوكة الثانية: الشراكات غير الواضحة

التي تُبنى على الوعود لا على العقود، وعلى المجاملات لا على الأنظمة. فالشراكة الناجحة تقوم على الوضوح قبل الصداقة، وعلى الاتفاق قبل العاطفة، وإلا تحوّلت مع الأيام إلى ساحات نزاع، وغدت الصداقة خصومة، والمودّة عداوة، والربح المأمول خسارة موجعة.

الشوكة الثالثة: الالتزامات فوق الطاقة

حين تُحمَّل الأقساط والديون والالتزامات المالية فوق الطاقة الاستيعابية، فيعيش الإنسان أسير أرقام لا تنتهي، ومطالب متراكمة، يفقد معها لذّة الكفاية، وطمأنينة العيش، وبركة الرزق، حتى يصبح دخله كلّه رهينة لأقساط لا ترحم.

الشوكة الرابعة: التفويضات غير المحكمة

فالتفويض أمانة، والأمانة تحتاج إلى تقوى ومحاسبة. والوكالات التي تُعطى بلا ضوابط ولا متابعة يُستغلّ فيها الاسم، وتُستنزف السمعة، ويُزَجّ بالإنسان في قضايا لم يعلم عنها شيئًا.

الشوكة الخامسة: صحبة السوء

“الصاحب ساحب” كما قال الحكماء؛ صديق السوء يزيّن الخطأ، ويهوّن المعصية، ويدفع إلى التهوّر، ثم يختفي عند أول اختبار، تاركًا صاحبه يواجه العواقب وحده.

الشوكة السادسة: ظلم العباد

من ظنّ أن الظلم قوّة فقد جهل، ومن حسبه مكسبًا فقد خسر؛ لأن دعوة المظلوم سهم لا يخطئ، وميزان العدل الإلهي لا يغفل ولا ينام. الظلم ظلمات يوم القيامة، وخسارة في الدنيا قبل الآخرة.

الشوكة السابعة: سموم الإدمان

كل ما يُفسد العقل أو الجسد أو الإرادة: مخدّرات، مسكرات، أو إدمان سلوكي وفكري. فهي أبواب خراب شامل، لا يدخلها أحد إلا خرج منها مكسورًا ـ إن خرج. الإدمان سجن بلا قضبان، وموت بطيء للإنسان من الداخل.

دليل النجاة: سبعة مبادئ للحياة الآمنة

لا توقّع ولا تكفل حتى تفهم كل التفاصيل.

لا تشارك حتى تدرس جميع الجوانب.

لا تلتزم بما يفوق طاقتك.

لا تفوّض إلا بضوابط ومتابعة.

لا تصاحب إلا من يعينك على الخير.

لا تظلم ولا تُقِرّ على ظلم.

لا تقترب من السموم مهما تزيّنت.

خاتمة: فن العبور الآمن

إن العاقل من يتعلّم من تجارب غيره قبل أن يتجرّع مرارة تجربته الخاصة، والحكيم من يضع للعاطفة ميزانًا، وللثقة حدودًا، وللإقدام دراسة.

فالنجاة من أشواك الدنيا تكون بالعلم والحكمة والصبر، وبالتوكّل على الله رب العالمين مع الأخذ بالأسباب. فمن وعى دروس الحياة، وسار على بصيرة، وأحسن الاختيار، فقد أمِن العثار وبلغ برّ الأمان.

فالدنيا دار ممرّ لا دار مقرّ، وعِبرة لا غِرّة؛ من استبصر فيها نجا، ومن استغترّ هلك.

 

تذكير أخير:

الحياة أغلى من أن تُهدر في تعاملات غير محسوبة، وأعمارنا أثمن من أن تُستنزف في مسارات غير موثوقة وبالله تعالى التوفيق والسداد والنجاح.

 

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق