مركزٌ وطنيٌ للتوحد.. هل سيغير نظرة المجتمع للمصابين بالاضطراب الطيفي؟

0 4

سنابل الأمل / متابعات

أعلنت وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة الجزائرية هذا الأسبوع أن المرسوم الرئاسي المتضمن إنشاء المركز الوطني للتوحد ومهامه وتنظيمه وسيره قد صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية.

وأصبح موضوع التكفل بالمصابين بطيف التوحد في السنوات الأخيرة قضية يهتم بها الجزائريون، ومن قضايا الصحة العمومية، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى تسجيل 45 ألف مولود مصاب بالتوحد من أصل مليون ولادة سجلتها الجزائر في 2021، وفق ما يذكره موقع ” التوحد في الجزائر” الذي أنشأته وزارة الصحة بهدف توعية المواطنين بهذا المرض.

اهتمام متزايد

أعلنت وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة الجزائرية هذا الأسبوع أن المرسوم الرئاسي المتضمن إنشاء المركز الوطني للتوحد ومهامه وتنظيمه وسيره قد صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية.

وقالت الوزارة إن “إنشاء هذا المركز يأتي بعناية سامية من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي أسدى تعليماته بخصوص تعزيز التكفل ورعاية المصابين باضطراب طيف التوحد، وذلك تحت وصاية وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة”.

وقال الأستاذ الاستشفائي الجامعي المختص في الطب العقلي للأطفال صديق بكو الذي شارك في إعداد هذا المرسوم من خلال بعض الجلسات التي نظمتها وزارة التضامن لـ”الترا جزائر” إن المركز الوطني للتوحد سيتكفل بإعداد برامج حتى للراشدين وبالتنسيق مع الفاعلين في الميدان، وبالخصوص المراكز الحكومية التابعة لوزارتي التضامن والصحة كمراكز الصحة العقلية ومراكز الصحة النفسية بالمراكز الجوارية، حيث يعد المركز خطوةً أولى ستتبع بإنشاء مراكز جهوية وولائية فيما بعد.

وبيّن بكو الذي يشغل منصب رئيس مصلحة الطب العقلي للأطفال بمستشفى الأمراض العقلية بالناظور في تيبازة بأن صدور المرسوم الخاص بالمركز الوطني للتوحد يعكس تسارعًا في الاهتمام الرسمي بهذا الملف، وهو الاهتمام الذي انطلق في 2016 بإنشاء لجنة ما بين القطاعات للتكفل بالتوحد، لكن عمل هذه اللجنة شهد تباطؤًا ملحوظًا، لتكون الانطلاقة الحقيقية ميدانيًا في 2021 لما أصبح هذا الملف ضمن المواضيع الذي اهتم بها رئيس الجمهورية عبر إصداره عدة قرارات تخص التكفل بالأطفال المتوحدين، منها إنشاء مدرسة لتكوين أساتذة في المجال.

وأضاف بكو أن إسناد الملف لوزارة التضامن  جعله يلقي اهتمامًا من قبل الوزيرة صورية مولوجي ، مما أثمر المرسوم الخاص بهذا المركز الذي سيكون مؤسسةً مرجعيةً تقوم بتحضير البرامج، والقيام بالبحث العلمي عبر اللجنة العلمية التي ستضم أساتذة جامعيين مختصين.

الأستاذ الاستشفائي الجامعي المختص في الطب العقلي للأطفال صديق بكو: الاهتمام الحكومي بطيف التوحد ازداد في السنوات الأخيرة مقارنةً بمرحلة سابقة طويلة كان فيها هذا الاضطراب غير واضح في السياسات العمومية، ومحصورًا في مبادرات جمعوية فردية ومراكز خاصة، وينظر إليه كإعاقة هامشية أو حالة طبية فقط

وأقر بدوره أستاذ علم النفس التربوي المختص في الطفولة المبكرة الدكتور يحيى الدين مفتاح في حديثه مع “الترا جزائر”  بأن “الاهتمام الحكومي بطيف التوحد ازداد في السنوات الأخيرة مقارنةً بمرحلة سابقة طويلة كان فيها هذا الاضطراب غير واضح في السياسات العمومية، ومحصورًا في مبادرات جمعوية فردية ومراكز خاصة، وينظر إليه كإعاقة هامشية أو حالة طبية فقط”

ويرى مفتاح الذي يشتغل كمدرب ومصمم برامج تدريبية وتربوية وعلاجية بأن إنشاء المركز الوطني للتوحد هو “نقلة نوعية من منطق الرعاية الظرفية إلى منطق التكفل المؤسساتي المنظم، واعتراف رسمي بأن التوحد قضية وطنية متعددة القطاعات (صحة – تربية – شؤون اجتماعية)”.

وأضاف مفتاح قائلًا: “لكن من المهم التأكيد أن الاهتمام السياسي لا يقاس بإنشاء الهياكل فقط، بل بفعالية ما تنتجه هذه الهياكل على أرض الواقع من تكوين، مرافقة وتغيير في جودة حياة الطفل والأسرة”.

تشخيص مبكر

تكمن أهمية المركز الوطني للتوحد في أنه سيساهم في اكتشاف حالات الإصابة باضطراب طيف التوحد، حيث أشار المرسوم إلى أن من بين مهامه “إعداد البرامج والمناهج المتعلقة بالأشخاص المصابين بالتوحد على المستوى الوطني، لا سيما في مجال التشخيص والكشف المبكر وفي التأهيل والعلاج”.

وقال الأخصائي النفساني وائل طاهري لـ”الترا جزائر” إن “التشخيص المبكر لاضطراب طيف التوحّد عنصر أساسي في نجاح العملية العلاجية والتربوية، لأنه يسمح بالتدخل في مرحلة يكون فيها الدماغ أكثر مرونة وقابلية لإعادة التنظيم والتعلّم وهي خاصية تُعرف باللدونة العصبية”.

 المختص في الطفولة المبكرة الدكتور يحيى الدين مفتاح: من المهم التأكيد أن الاهتمام السياسي لا يقاس بإنشاء الهياكل فقط، بل بفعالية ما تنتجه هذه الهياكل على أرض الواقع من تكوين، مرافقة وتغيير في جودة حياة الطفل والأسرة

وأضاف طاهري أنه ” في هذه المرحلة المبكرة يمكن توجيه البرامج العلاجية بشكل دقيق لتنمية مهارات التواصل اللفظي وغير اللفظي، وتحسين اللغة الاستقبالية والتعبيرية وتقوية الانتباه والتركيز، وتطوير المهارات الاجتماعية الأساسية مثل التفاعل مع الآخرين وتبادل الأدوار وفهم الإشارات الاجتماعية”.

وبيّن الدكتور يحيى الدين مفتاح بأن “التشخيص المبكر ليس مجرد خطوة طبية، بل هو قرار مصيري في حياة الطفل، بالنظر إلى أن قبل سن 6 سنوات يكون شديد المرونة، والتدخل المبكر يغيّر فعليًا مسارات النمو العصبي”.

وأشار مفتاح إلى أن  التشخيص المبكر يساهم في” تقليل شدة الأعراض وليس فقط التعايش معها، كـتحسين التواصل، وتقليص السلوكيات النمطية، وبناء مهارات التفاعل الاجتماعي، ومنع تراكم الاضطرابات الثانوية كالقلق، الانسحاب الطفولي، العدوانية والتأخر المعرفي المكتسب”

وأضاف أن هذه الخطوة تمكن الأسرة مبكرًا في فهم إصابة ابنها، فالأسرة الواعية تمثل نصف العلاج لبناء طفل قابل للاندماج وليس مجرد طفل مُتكفَّل به، وما يجب فهمه هنا هو أن “التشخيص المبكر لا يصنع طفلًا طبيعيًا،بل يصنع إنسانًا قادرًا على التكيف، والتواصل، والتعلم وفق إمكاناته الحقيقية”.

 يحيى الدين مفتاح:  التشخيص المبكر يساهم في تقليل شدة الأعراض وليس فقط التعايش معها، كـتحسين التواصل، وتقليص السلوكيات النمطية، وبناء مهارات التفاعل الاجتماعي، ومنع تراكم الاضطرابات الثانوية

وأشار الدكتور صديق بكو إلى أن  التجربة أثبتت أن أغلب الأطفال الذين يقصدون الطب العقلي يكونون مصابون باضطراب طيف التوحد، لذلك فإن التشخيص المبكر يعد فرصة للتحسن تكيف هذا الطفل مع المجتمع والاندماج فيه.

تعزيز تعليم المتوحدين

يأتي مرسوم المركز الوطني للتوحد ليضاف إلى قرارات حكومية سابقة دعت على فتح أقسام خاصة بالمصابين بهذا الاضطراب وتمكينهم من حقهم في التعليم.

وذكّر الاستاذ بكو بأن التعليم حق دستوري مكفول لكل طفل بقوة القانون، لكن وجود التوحد يستدعي توفير محيط خاص يأخذ القدرات المعرفية للطفل المتوحد وسلوكاته وقدرته على الاندماج في القسم العادي.

وأشار بكو إلى ضرورة الاعتراف بوجود مجهودات تبذل لدمج الأطفال المتوحدين في الأقسام العادية، أو وضعهم في أقسام خاصة مفتوحة في بعض المؤسسات التربية.

وكشف بكو عن مشاركته قبل أكثر من شهر في اجتماع وزاري بحث ملف تعميم الأقسام الخاصة في كل المؤسسات التربوية، لتمكين جميع المتوحدين عبر ولايات الوطن من التعليم.

صديق بكو: تدريس الطفل المتوحد لا يعد عملًا بسيطًا، بل هو عملية معقدة لأن ذكاء هذا الطفل غير متجانس، فقد يكون ذكاءه عاليًا في مواد وضعيفًا في مواد أخرى

وأضاف أن هذه الأقسام الخاصة تظل خطوة هامة، حتى وإن ما تزال ربما غير منظمة بالشكل المطلوب لضمها أيضا أطفال مصابين بأمراض أخرى كالتخلف العقلي والتريزوميا، إضافة إلى تسجيلها نقصا في التأطير، لذلك تحتاج إلى مجهودات إضافية لتحسين تنظيمها، مثل أن تعمل المدارس العليا للأساتذة مستقبلا على تخريج مؤطرين مختصين لتدريس الأطفال المتوحدين.

ولفت بكو إلى أن تدريس الطفل المتوحد لا يعد عملًا بسيطًا، بل هو عملية معقدة لأن ذكاء هذا الطفل غير متجانس، فقد يكون ذكاءه عاليًا في مواد وضعيفًا في مواد أخرى، ففي في الدول المتقدمة تم إنشاء وحدات الدمج المدرسي في المؤسسات التربية، والتي تتكفل بتعليم الأطفال المتوحدين عبر بتقييم عام لكل طفل، لوضع برنامج مدرسي خاص به يستجيب لقدراته الخاصة، والتي تجعله مثلا يدرس مادة الرياضيات في قسم عادي إذا كان ذكيا فيها، ويوضع في قسم خاص في التاريخ والجغرافيا إذا كان فهمه لها ضعيفا.

أما أستاذ علم النفس التربوي يحيى الدين مفتاح فشدد على ضرورة العلم بأن “التعليم لطفل التوحد ليس ترفًا، بل علاج وتأهيل وبوابة اندماج اجتماعي”

وأضاف أن “المشكلة اليوم ليست في الطفل، بل في النظام التعليمي غير المرن، فطفل التوحد لا يفشل في المدرسة، إنما هذه الأخيرة هي التي تفشل عندما لا تتكيف معه، أي أنها لم تصمم بما يناسبه”.

ويرى مفتاح أن الحكومة قادرة على إنجاح المسار الدراسي للطفل المتوحد بإرساء تعليم تكيفي حقيقي وبرامج فردية، أهداف وظيفية لا حفظية، وتكوين المعلمين والمشرفين تكوينًا متخصصًا ، لا اعتمادًا على تخصص الدراسة الجامعية فقط، مع فهم الطيف وإدارة السلوك، والتواصل البديل.

يحيى الدين مفتاح: الحكومة قادرة على إنجاح المسار الدراسي للطفل المتوحد بإرساء تعليم تكيفي حقيقي وبرامج فردية، أهداف وظيفية لا حفظيةودعا مفتاح إلى إدماج تدريجي ذكي للطفل المتوحد، مع تجنب العزل الكامل أو الإدماج القسري المؤذي، والذي يجب أن يرفق بمرافقة نفسية وتربوية داخل المدارس بـأخصائي نفسي وأخصائي نطق وتخاطب (أرطفوني)، ومربي مرافق، والانتقال من تعليم الشهادة إلى تعليم الاستقلالية، لأن النجاح الدراسي للتلميذ المتوحد يعطينا طفلا له القدرة على العيش باستقلال نسبي داخل المجتمع.

ويرى الأخصائي النفساني وائل طاهري أن التعليم يعد عاملًا أساسيًا في حياة المصاب باضطراب طيف التوحّد لأنه “يساعد على تنمية قدراته المعرفية واللغوية والاجتماعية، ويطوّر مهارات الاستقلالية ويعزّز اندماجه المدرسي والاجتماعي وثقته بنفسه كما يسمح التعليم المكيّف ببناء نقاط القوة وتقليل الصعوبات التي يواجهها في التواصل والانتباه وتنظيم السلوك”.

ويعتقد طاهري أنه “يمكن للحكومة أن تساهم في نجاح المسار الدراسي للتلميذ المتوحد من خلال اعتماد سياسات تعليمية دامجة، وتوفير برامج فردية مناسبة وتكوين المعلّمين والمختصين، ودعم المدارس بأخصائيين ووسائل تعليمية مكيّفة والتنسيق بين قطاعي الصحة والتربية، مع مرافقة العائلات لضمان استمرارية التدخل التربوي والعلاجي”.

مهمة صعبة

يؤكد المختصين الذين تحدثوا مع “الترا جزائر” أن الإجراءات الحكومية رغم أهميتها تظل غير مكتملة في حال لم تكون ثمارها تسهيل الاندماج المجتمع للشخص المتوحد، وبالخصوص في وجود ذهنيات عائلية ومجتمعية تعيق تحقيق هذا الهدف.

وأوضح الدكتور مفتاح أن الحقيقة الصادمة تتمثل اليوم في أن نظرة المجتمع قد تكون أكثر إعاقة من التوحد نفسه، وبالتالي على الأسرة والمجتمع تغيير النظرة المجتمعية بالانتقال من الشفقة إلى الفهم، لأن “المتوحد ليس مسكينا، وليس خطرا، بل إنسان مختلف في طريقة الإدراك”.

وقال إن هذا يتطلب وجود إعلام واعٍ لا عاطفي، بطرح قصص نجاح حقيقية، وتقديم شرح مبسط لهذه الفئة لرفع الوعي حولها، ومحاربة الخرافات إضافة إلى تمكين الأسرة لا تحميلها الذنب بتقديم الدعم النفسي، والإرشاد الأسري، ووضع خلايا دعم مجتمعية، وتسهيل حضور الطفل التوحدي في الفضاء العام عبر المدرسة، واللعب، والأنشطة،

ويرى الأخصائي النفساني وائل طاهري أن تغيير نظرة المجتمع والأسرة للمصاب باضطراب طيف التوحّد يتطلّب عملاً متكاملاً يقوم على التوعية والعلم والدعم الإنساني، بدل الأحكام المسبقة والخوف من الاختلاف ويمكن تحقيق ذلك عبر عدّة محاور أساسية، أولها نشر الوعي العلمي الصحيح من خلال حملات إعلامية وبرامج مدرسية ومحاضرات مبسّطة تشرح ما هو التوحّد، وكيف يظهر عند الأطفال وتؤكد أنه اضطراب نمائي وليس نتيجة تربية خاطئة أو وصمة اجتماعية.

 الأخصائي النفساني وائل طاهري:  تغيير نظرة المجتمع والأسرة للمصاب باضطراب طيف التوحّد يتطلّب عملاً متكاملاً يقوم على التوعية والعلم والدعم الإنساني، بدل الأحكام المسبقة والخوف من الاختلاف

ويشدد طاهري على دعم الأسر نفسيًا وتربويًا عبر جلسات إرشاد ومجموعات دعم تساعد الوالدين على فهم حالة طفلهم، والتعامل معها بثقة وتخفيف الشعور بالذنب أو الخجل، وتشجيعهم على الحديث عن التجربة بدل إخفائها، وتعزيز الدمج الاجتماعي والمدرسي عبر أنشطة مشتركة بين الأطفال المصابين بالتوحّد وغيرهم في المدارس والنوادي والجمعيات، مما يخلق فرصًا للتعارف والتقبّل ويقلّل من الصور النمطية، إضافة إلى تدريب المعلّمين والمهنيين الصحيين والعاملين في الخدمات العمومية على كيفية التواصل مع المصابين بالتوحّد واحترام احتياجاتهم الخاصة.

أما الدكتور صديق بكو فيرى أن تسهيل الاندماج المجتمعي للمصابين باضطراب طيف التوحد ينطلق بتغيير النظر إليه وعدم الحكم السلبي على تصرفاته، وهو ما يتطلب توسيع ثقافة تقبل الآخر والشخص المختلف عبر التوعية والحملات التحسيسية.

وبالنسبة لبكو، فإنه لا يمكن إنكار أن العائلات أصبحت اليوم أكثر وعيًا بمرض طفلها المتوحد، إلا أن المشكل الكبير الذي يبقى لديها هو البحث عن علاج ينهي حالة الإصابة بالتوحد، وهذه غاية مستحيلة التحقيق لأن التوحد يرافق الطفل طيلة حياته، وكل ما يمكن فعله هو تحسين أداءه السلوكي داخل المجتمع.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق