بالصوت يرون وبالخيال يشاهدون… “سينما المكفوفين” تشرّع أبواب الفن للجميع
سنابل الأمل / متابعات
قد يكونون مكفوفين، لكنهم ليسوا عمياناً. فقدان البصر لا يلغي القدرة على الإحساس، ولا يُطفئ الخيال، ولا يمنع الإنسان من رؤية الجمال بطريقته الخاصة. عند
تحت هذا العنوان، أطلقت “جمعية تيرو للفنون” في المسرح الوطني اللبناني، داخل سينما الكوليزيه التاريخية، أسبوع أفلام مخصّصاً للمكفوفين وضعاف البصر، تُعرض خلاله أفلام مجانية مزوّدة تقنية الوصف الصوتي باللغة العربية الفصحى، وهي تقنية تعتمد على سرد تفصيلي للمشاهد والأحداث، بأسلوب يشبه المسلسلات الإذاعية القديمة، ما يتيح للمكفوف متابعة الفيلم وفهم تفاصيل المشاهد لحظة بلحظة. وتنوّعت الأفلام المعروضة بين أعمال من الخليج العربي، والصين، جميعها مجهّزة بالوصف الصوتي.
التجربة ليست جديدة. “أسبوع سينما المكفوفين” انطلق عام 2023 في مدينة طرابلس، قبل أن يقام هذا العام في بيروت، على أن ينطلق قريباً إلى مسرح صور، في إطار خطة تهدف إلى جعل عروض سينما المكفوفين نشاطاً دائماً لا موسمياً.
في هذا السياق، يوضح مؤسّس المسرح الوطني اللبناني الممثل قاسم إسطنبولي، أن أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في إتاحة مشاهدة الأفلام للمكفوفين، بل في إيجاد مساحة مشتركة تجمعهم بالمبصرين في قاعة واحدة. ويقول: “بهذه الطريقة يستطيع الكفيف والمبصر أن يشاهدا الفيلم معاً، وأن يلتقيا في مساحة واحدة تحقق الدمج الاجتماعي، انطلاقاً من مبدأ الفن متاحاً للجميع”.
لم يكن الإقبال على هذه المبادرة من طلاب المدارس والجامعات والجمعيات المعنية بذوي الحاجات الخاصة فقط، بل لوحظ مشاركة أفراد وعائلات، اختاروا خوض هذه التجربة الإنسانية. ويشير إسطنبولي إلى جمال لحظة مشاهدة الطلاب للأفلام السينمائية وخوض تجربتهم الأولى من دون أن تفوتهم الأحداث: “لقد تمكّنوا من مناقشة الأفلام، ومشاهدتها، وتناول الفشار، والتحدّث عمّا رأوه سمعياً على الشاشة. وقد كان مشهداً جميلاً، كيف عبّر كثيرون عن سعادتهم بمشاهدة الأفلام إلى جانب المكفوفين، لما في ذلك من أهمية كبيرة للدمج عبر المشاهدة”.
يأمل اسطنبولي أن يتمكّن صُنّاع السينما في لبنان والعالم العربي من إنتاج أفلام بتقنية الوصف الصوتي، بحيث تكون لكل فيلم نسختان: واحدة للمبصرين وأخرى للمكفوفين، بما يتيح الوصول إلى جمهور أوسع، ويسهم في تعميم هذه التجربة كي لا تبقى موسمية، بل دائمة. و
إعلان
يرى أن دمج هذه الفئة في المسرح والسينما ومنحها حق المشاهدة وحق ممارسة الفنون حق أساسي، وليس امتيازاً”.
إلى ذلك، تحرص “جمعية تيرو للفنون” على إشراك ذوي الحاجات الخاصة ضمن فريق عملها، في خطوة تعكس التزامها العملي الشمولية، باعتبار ذلك واجباً أخلاقياً وإنسانياً، بغية إنتاج فن يصل إلى كل الناس. ولا تتوقف رؤية الجمعية عند المكفوفين فقط، إذ تعمل أيضاً على إنتاج أفلام مخصّصة للصم بلغة الإشارة، إضافة إلى تنظيم ورش تدريبية في المسرح والرسم والأشغال اليدوية لذوي الحاجات الخاصة، ما يفتح أمامهم أبواب التعبير والإبداع والمشاركة الفاعلة في الحياة الثقافية.
من هنا، يلفت اسطنبولي إلى أن “الفن يفقد قيمته عندما لا يكون متاحاً لجميع فئات المجتمع. لذلك نعمل على إنتاج أفلام للصم بلغة الإشارة، سنعلنها قريباً، وستكون هذه الأفلام مترجمة، ما يساعد الجمهور على فهم لغة الإشارة أكثر والتواصل مع هذه الفئة بشكل أفضل. وبعض هذه الأفلام سيشارك فيها ممثلون من الصم أنفسهم، إذ من الجميل أن نرى هذه الطاقات تشارك في المسرح. فهناك مواهب عظيمة تحتاج فقط إلى مساحة لتفريغ طاقاتها، والمسرح هو المكان الأجمل لذلك”.
في عيون هؤلاء المنطفئة، يرى القائمون على هذه المبادرة أكثر من جمهور، يرون نوراً، طاقةً وحياةً وقدرةً على الإلهام. فهم، كما يصفهم إسطنبولي، “ذوو قدرات خاصة” يمتلكون طاقات عظيمة، ويتعلّم المجتمع منهم معنى القوة والإرادة وحب الحياة. فحين يفقد الإنسان حاسة، يعوّضه الله بحواس أخرى أكثر قوة، وحين تُفتح له أبواب الفن، يفتح بدوره أبواب الأمل. وهذه التجربة ليست نشاطاً عابراً، ففرحة الكفيف داخل قاعة السينما كفيلة بأن تعيد إلى الفن معناه الحقيقي، وتذكّر بأن أقلّ ما يمكن قوله لهؤلاء هو: “شكراً لأن حضوركم أغنى الفن، ومنح المكان نوراً وحباً