سنابل الأمل / متابعات
بقلم: أ. بندر بن علي السلطان
في صخب الملاعب وتحت أضواء الكشافات المبهرة، تتجه الأنظار عادةً نحو سرعة الأقدام، وقوة الأجسام، وذكاء التكتيك. لكن خلف كل لحظة حاسمة يسكن محرك خفي، نلمس أثره في مرارة الانكسار أو نشوة الانتصار؛ إنه علم النفس الرياضي.
لقد وضع العالم “نورمان تريبلت” اللبنات الأولى لهذا العلم أواخر القرن التاسع عشر، ليتطور لاحقاً ويصبح عماداً أساسياً في الإعداد الأولمبي العالمي. ومحلياً، تجسد هذا الوعي المؤسسي عبر برامج الابتعاث واللجان المتخصصة، حتى استقر اليوم كضرورة احترافية تفرضها رؤية المملكة 2030، متجاوزاً كونه “رفاهية تكميلية” ليصبح حجر الزاوية في صناعة المنجز الوطني.
إن مشاركتي الأخيرة في برنامج تدريبي مكثف من تقديم معهد إعداد القادة حول هذا العلم، كانت بمثابة “إعادة اكتشاف” للميدان الذي أعشقه؛ فلم تعد الرياضة في نظري مجرد جهد بدني مستهلك، بل منظومة معقدة من المشاعر والضغوط والقرارات التي تُطبخ في مختبر العقل قبل أن تترجمها الأقدام على العشب الأخضر.
المختبر الأول: حصة التربية البدنية
انطلاقاً من موقعي كمعلم ومشرف تربوي، أؤمن أن المدرسة هي “المصنع الأول” للعقلية الرياضية. فحصة التربية البدنية ليست مجرد وقت للترويح، بل هي المحطة الأساسية لغرس الثقة، وتعزيز المرونة النفسية أمام الهزيمة، والعمل الجماعي تحت الضغط. هنا نضع اللبنة الأولى لبطل المستقبل؛ فبناء طفل متزن نفسياً هو نصف الطريق نحو منصة التتويج. إن العناية بالصحة النفسية للنشء هي “الاستثمار طويل الأجل” الذي ستحصد ثماره الأندية والمنتخبات لاحقاً.
المثلث الذهبي: ركائز المنظومة
يعمل علم النفس الرياضي كمنهج بناء وقائي لثلاثة أضلاع أساسية:
– اللاعب: البطل الحقيقي ليس من يمتلك أقوى عضلة، بل من يمتلك أصلب إرادة. هنا تبرز التهيئة النفسية في تحويل “قلق المنافسة” إلى طاقة إيجابية، و”الثبات الانفعالي” إلى سلاح يحسم المواجهات الكبرى.
– الحكم: هو العنصر الأكثر احتياجاً للصلابة الذهنية؛ ففي وسط ضجيج الاعتراضات، يعمل هذا العلم كـ “بوصلة ثبات” تمنحه الحصانة والتركيز، وتحميه من “الاحتراق النفسي” تحت وطأة النقد الجماهيري.
– الإداري (مهندس البيئة): من زاوية مجلس الإدارة، ندرك أن القيادة هي “صناعة مناخ”. فالإداري الواعي نفسياً هو من يجيد موازنة الطموحات بالضغوط، ويبني روح الفريق بين شخصيات متباينة، محولاً النادي إلى “بيئة آمنة” ينمو فيها الإبداع.
ختاماً.. من الفكرة إلى الميدان
في ظل تسارع وتيرة التنافسية العالمية، لم نعد نملك ترف التغافل عن الجانب الذهني. إن الاستثمار في عقل الرياضي يوازي في أهميته الاستثمار في البنية التحتية. لقد خرجت من تجربتي التدريبية بيقين راسخ: أن المباراة تُكسب مرتين؛ مرة في فكر اللاعب وروحه، ومرة على العشب الأخضر.
يجب أن يصبح “المُعد النفسي” ركناً أصيلاً في خططنا التنموية الرياضية، وأن نترجم هذا الوعي إلى برامج عملية تشمل كافة أركان اللعبة. حينها فقط، سنضمن تخريج أجيال من الأبطال الذين لا تُقهر إرادتهم، لتظل راية المملكة خفاقة في المحافل الدولية.
صحيفة همة نيوز
* مشرف التربية البدنية وعضو مجلس إدارة نادي هجر بالأحساء
bander1388@gmail.com